يخشى الكثيرون أن يكون انحسار الإقبال على المطبوعات الورقية خاصة الصحف، نذيراً بأفول الكلمة المكتوبة عامة، لكن هناك جيل جديد من التقنيات ربما يحمل لهم أخباراً سعيدة. فللكتّاب ولعٌ مفهوم يرتبط بالأسطر المنسابة على الورق. وهو ولع يشوبه القلق الناتج عن التراجع المستمر للكتب والمطبوعات الورقية عامة. وللقلق ما يبرره، ليس للكتّاب الذين يعتاشون على الكتابة فحسب، وإنما أيضاً للمهتمين بدور الصحافة عامة. فالصحيفة الجيدة، كما قال المسرحي الأميركي آرثر ميلر، هي "نتاج أمة في حوار مع ذاتها".
وبالطبع فإن معدل التراجع في توزيع الصحف الورقية، أو مبيعات الكتب لا يعني بالضرورة تراجعاً موازياً لعادة القراءة. فحسب ما ذكرت صحيفة "الإيكونومست": يقتطع البريطانيون في الفئة العمرية 15-24 عاماً نحو 30% من وقت قراءة الصحف المحلية على الإنترنت. وليس سبب ذلك أن النسخ الإلكترونية مجانية.
صحيفة "واشنطن بوست" أجرت استطلاعاً شمل آراء عينة عشوائية من الأميركيين، أوضح أن نسبة كبيرة منهم ترفض الحصول على اشتراك سنوي للصحيفة المرموقة، وإن كان مجانياً، فهم يفضلون قراءة النسخ الإلكترونية منها.
وتدعم النتيجة دراسة أخرى نشرها في سبتمبر 2003 اتحاد ناشري الإنترنت، وخلصت إلى ترتيب الأولويات الإعلامية للأفراد في المرحلة العمرية بين 18 و34 عاماً على النحو التالي: الإنترنت 46%، التلفزيون 35%، الكتب 7%، الصحف والراديو 3% لكل منهما، ثم المجلات أقل من 1%.
والسبب الوحيد للإقبال على الإنترنت لقراءة الصحف والكتب، ليس لأن الحواسيب صارت وجهًا لنمط الحياة اليومي، بحضورها الراسخ في العمل والمنزل وما بينهما، ولكن التقاء الصحف والكتب بالحواسيب والإنترنت أجلّ من أن ينظر إليه كوجه آخر لـ"موضة" إنشاء نسخ "إنترنتية" لمحال البقالة ونوادي كرة القدم ومصنّعي الطلاء، وما إلى ذلك. إنه التقاء ابتكاري، ربما يجعلنا نود لو أن الصحف والكتب الورقية اختفت منذ أمد بعيد.
أبعاد جديدة
من العناصر المشتركة بين الصحف الأكثر ازدهاراً، إدراكها جميعاً أن لحقبة الإنترنت أبعاداً تختلف عن عصر الورق. فالنصوص المطبوعة على الورق محددة في صلاتها بالغلاف الذي يجمعها. أما النصوص المنشورة على الإنترنت فتتصل بروابط عنكبوتية "hyperlinks" تُدمج في المقال الواحد لتربطه بمواد أخرى ذات صلة، بحسب الموضوع والمؤلف، والمجال، وغيرها.
وبينما القراءة على الورق ذات بعد واحد، تقودك جملة لجارتها، وصفحة لتاليتها وفق الطباعة، فإن القراءة على الإنترنت وبفضل الروابط هي ثلاثية الأبعاد، اذ تأخذك إلى مسارات متعددة للتعرف على موضوع القراءة، وتمنحك خيارات مفتوحة للقراءة. وأدركت صحف عدة ذلك، فبدأت تضمين مقالاتها روابط لمقالات أخرى ذات صلة.
ونيويورك تايمز والإيكونومست أدركتا أنه ليس كافياً إعادة إنتاج نسخة مطابقة للورقية على الإنترنت. فاستفادت من ما يوفره الوسط الجديد. ومنها انخفاض كلفة نشر النصوص على الإنترنت، وشجع على نشر مواد أطول، كفصول كاملة من كتب، أو أبحاث ودراسات، تعضد وتدعم المقالات المنشورة.
ولأن البعض يشكو من ارهاق القراءة فقد قدمت"برس دسبلاي" ومجلة تكنولوجي ريفيو خدمة القراءة الآلية لمقالاتها بـ" الإنترنت"، عبر تقنية "text-to-speech" التي تحول النصوص المكتوبة آلياً إلى نصوص مقروءة بصوت آدمي، وبجودة مقبولة.
وظهرت تقنية النشر المتزامن "RSS" التي تمكن القارئ من اختيار مواد محددة تصله عبر البريد الإلكتروني أو برنامج مختص بصورة متجددة.
الصحف شجعت صحافييها على إنتاج برامج قصيرة، بالصوت أو الصورة أو كليهما تسمى بودكاست لعرض خلفيات عن مقالاتهم في دقائق معدودة. وتدمج بصفحات الإنترنت. وسعت أيضاً لإفادة قرائها من نشاطهم الجمعي، فـ"نيويورك تايمز" تتيح لقارئي موقعها المسجلين مجاناً، حفظ المقالات المفضلة على الموقع الصحيفة ليتيسر الرجوع إليها. وكلما حفظت واحدة من هذه المقالات. وتُطلع صحيفة الواشنطن بوست قراءها على النقاشات الدائرة حول مقالاتها، سلبا أو إيجابا، مع روابط لمدونات الإنترنت التي تعلق على تلك المقالات.
وأعاد الإنترنت الصحف لحلبة المنافسة مجدداً مع التليفزيون. فالـ"سي إن إن" والجزيرة، تميزتا في التغطية لمتابعتهما الأحداث ليلاً ونهاراً مطلع تسعينيات القرن الماضي. بينما الصحف الورقية تنتظر دوماً لليوم التالي بينما تغطية الإنترنت مستمرة ومتجددة.
مرونة وجمود
نيكولاس نجروبونتي، العالم الذي شارك في تأسيس مختبر الإعلام التابع لجامعة "إم إي تي"، في كتابه "الحياة على الطريقة الرقمية" الصادر عام 1995. يجيب على سؤال مطروح بشأن الفارق الرئيس بين الكلمة المطبوعة ورقياً وتلك المخزنة رقمياًً؟ فيقول إن المعلومات تظل مرنة وقابلة للتشكل في صور عدة طالما ظلت رقمية.
فالمقال يمكن تحويله إلى ملف صوتي عبر برنامج القراءة الآلية، أو إلى خريطة تبين العلاقات بين الكلمات ومرات ورودها من خلال برامج المعالجة الإحصائية والتنقيب في النصوص، أو إلى نص مطبوع على الورق، وهنا يكون النص قد تحول لصورته الجامدة.
وثمة مثال آخر. فمن الشائع الآن استخدام برامج الجداول المحاسبية مثل "إكسل" من مايكروسوفت، لتحويل عدد كبير من المدخلات العددية إلى رسوم بيانية. والأرقام تمثل المادة الخام التي تقبل التشكل إلى أشكال توضيحية.
حتى اللحظة، لا تزال إمكانات التكنولوجيا المتاحة عاجزة في الاستفادة من النصوص المرنة عن إثارة دهشتنا بأنواع غير متوقعة من المنتجات المعرفية ،كالنصوص المقروءة آلياً. ولكن يبدو أن هذا بعينه الطريق الذي تنحوه صحف المستقبل، أي باتجاه تسخير نصوصها المرنة في إتاحة مواد معرفية جديدة، ربما بحسب رغبة كل مستخدم منفرداً. وهنا يقفز السؤال، هل كان ممكناً تخيل هذه الآفاق عبر النصوص الجامدة إبان حقبة الورق؟

