في نهاية شارع عماد الدين أطول شوارع القاهرة طولًا ومن أكثرها عراقة بمنطقة وسط العاصمة، تنتظر أحلام الحالمين بالشهرة والنجومية ما تخبئه لهم الأيام وساعات الانتظار أملًا في تحقيق ولو جزء منه، العشرات من الأشخاص يقبعون يوميًا على مقهى "بَعرة" أو ما تسمى مقهى الكومبارس ينتظرون أن يمن عليهم أحد المنتجين أو القائمين على اختيار الممثلين في الأعمال الفنية المختلفة وأن يختارهم الحظ في الظهور على الشاشة ولو حتى بضع ثوان، قانعين بما سينالونه من أجر حتى ولو كان ضعيفًا فهم من سنوات اعتادوا على الانتظار وأداء الأدوار الضعيفة.
أجور متدنية
صبحي صالح أحد رواد المقهى يرفض تسميته بلفظ كومبارس. وقال إن فئة الكومبارس تقع تحت مسمى ممثلي الصف الثالث وأنهم لا يقلوا أهمية عن نجوم الصف الأول ولهم دور كبير ولهم حقوق ولكنها للأسف تضيع هباء نتيجة أعمال السمسرة والإهمال والتجاهل وكذلك الأجور المتدنية التي نأخذها نتيجة لأعمال المحسوبية والسمسرة واستغلال المنتجين حاجتنا للعمل والتمثيل في إعطائنا مبالغ متدنية وتجاهل مستمر وأكد على أنهم يتعرضون للذل والابتزاز من المنتجين ومعاملتهم أسوأ معاملة معتمدين على أحلامنا، التي تصبرنا على التحمل من أجل لقمة العيش وكذلك تحقيق حلم النجومية.
خيل الحكومة
ويصف حسن كفتة، أحد أقدم رواد المقهى "الكومبارس" بأنه مثل خيل الحكومة الذي يطلقون عليه النار ويقتلونه إذا ما أصابته الشيخوخة، هذا هو حال تعامل المنتجين مع الكومبارس، فيتعامل المنتج مع الكومبارس معاملة جيدة إذا كان صحيحًا معافى ولديه القدرة على تحمل مشاق العمل والأخطار التي يواجهها في أثناء القيام بأدوار خطرة وتعتمد على الحركة، أما إذا كان عليلًا أو ضعيفًا لا يسانده ويتجاهله تمامًا، مؤكدًا أنهم وقعوا تحت رحمة المنتجين والسماسرة الذين لا يعطوهم أجورهم كاملة كما يتماشى مع ما يقومون به من أدوار ويتذكر كفتة آخر مبلغ تقاضاه بلغ 25 جنيهًا للمشهد الواحد.
أما علي أحمد علي وهو أيضًا كومبارس شارك في العديد من الإعلانات التجارية والأفلام السينمائية كان آخرها فيلم "أيظن" يقول "لا يوجد قانون أو أي شكل تنظيمي ينظم عمل الكومبارس كما لا توجد حقوق لنا؛ لذلك فلابد من ضمِّنا لنقابة المهن التمثيلية حتى يتسنى لنا أخذ حقوقنا كاملة بدون تدخل من المنتجين والاستغلاليين، حيث إن الكومبارس لا حق له إذا تمت إصابته داخل العمل أو في أثناء تصويره أحد المشاهد الخطيرة".
لا دية له
ويذكر أحمد أن هناك قصصًا مؤلمة يتعرَّض لها الكومبارس، فهناك من يتم دهسه بالسيارة في أثناء التصوير ولا دية له، وهناك من تتعرّض رجله للكسر أو إصابات أخرى كإصابة عموده الفقري ولكن دون اهتمام من جانب المنتج أو النقابة أو أي شيء فإن بذلك تضيع حقوق المئات ممن يؤدون دور الكومبارس.
ويقول عبدالعزيز علام، من أقدم الجالسين على المقهى ومن قاموا بأدوار الكومبارس: "أقوم بدور الكومبارس منذ عشرات السنين ومازال الأجر ضعيفًا وغير أنساني، فقد عاصرت زملاء كانوا يجلسون معي على المقهى وأصبحوا نجومًا ولكن الحظ لا يعرف إلى الآن طريقي".
النقابة هي الحل
وأجمع جميع رواد المقهى ممن ينتظرون أدوار الكومبارس على ضرورة ضمهم للنقابة؛ لكي يأخذوا حقوقهم وأن يتسنى لهم التمتع بالخدمات التي تقدِّمها النقابة للمشتغلين بالمهنة من تأمين وأجور وحقوق مادية ومعنوية.
وفي النهاية تمر الأيام والليالي على رواد المقهى والانتظار يلازمهم على أمل أن تأتيهم الفرصة صدفة وبدون ميعاد، وأن الحلم لا يتحقق إلا بالصبر وتحمل المشاق والمتاعب على أمل أن يصبحوا نجومًا كالذين كانوا معهم بالأمس وأصبحوا نجومًا اليــوم وأن ينظر إليهم أحد المنتجين أو صانع السينما -الذين لا تبعد مقراتهم ومكاتبهــم عن المقهى سوى بضع خطوات- نظرة عطف تنتشلهم من طول فترة الانتظار واليأس الذي تسلل إلى قلوبهم من صعوبات العيش وفقدان الأمل.
تاريخ
1936
يحمل مقهى بعرة، سمعة وتاريخا قديمين، بفضل من جلسوا على مقاعده من مشاهير السينما المصرية، بعد أن كانوا يداومون في الحضور فيه بانتظار دور "الكومبارس". إن ذلك المقهى، الذي أنشئ عام 1936 وأطلق عليه اسم "بعرة"، نسبة إلى صاحبه الذي أطلق عليه الفنان رشدي أباظة لقب "بعرور"، حين كان ينتظر مثل البقية؛ بفعل ضخامة جسمه التي تشبه حجم صغير الجمل :"البعرور". ومن ثم أطلق على المقهى اسم "بعرة".

