الأسطورة.. هي الأكثر نجاحاً في محاكاة الواقع وإثارة المخيلة، والأكثر إقناعاً بحلول التمازج بين الإنسان والطبيعة، والأكثر سرداً لقصص الحب، وجدلية النزاع لمفاهيم الحرية والقرار وإنسانية العلاقات بين البشر، لذلك لا يزال صدى فيلم «محاولة فاشلة لتعريف الحب»، للمخرج المغربي حكيم بلعباس، يتصدر لائحة الأفلام التي أثنى عليها الجمهور والنقاد، ضمن الدورة 14 من مسابقة الفيلم الوطني في مدينة طنجة أخيراً، سبقه العرض الأول للفيلم في مهرجان دبي السينمائي التاسع.

وذلك لتجسيده أسطورة «إيسلي» و«تيسليت» المغربية الشهيرة، والتي اعتبرها الممثلان الرئيسان في الفيلم حمزة عبد الرازق وزينب النجم أنها تمثل روميو وجولييت على الطريقة الأمازيغية، مؤكدين أن اختيارهما لأداء الأدوار ارتبط بقدرتهما على بيان احتياجاتهما الكامنة من العمق الاجتماعي والنفسي، تلخص في سؤال وجهه المخرج لهما خلال عملية اختيارهما للمشاركة بالفيلم مفاده : «ما مدى قدرتكما على التخلي عن أسراركما الدفينة، وما وسائلكما في التنفيس عنه؟»، ليتفقا على أن هناك رؤية إنسانية للمخرج تأصلت بإدراكهما لمقاصد الحب في إرثنا وتاريخنا الثقافي.

ملحمة روائية

التوصل إلى معرفة ثقافية عبر الفنون، تُعد عادةً من أنبل الطرق في إيصال الهدف الأسمى من العمل السينمائي، وقيام بلعباس بتفصيل الواقع المغربي بخيالات الحب في زمن القطيعة والعنف القبلي، عبر أسطورة «إيسلي» و«تيسليت» المغربية، التقاطة تحسب للسينما المغربية، ليست لكونها دعوة متجددة للسلام بتعزيز أواصر رباط الدم والتعايش، بل لنجاحها في استثمار الموروث وتجديد المطروح في الملحمة الروائية للمخيلة العربية، وتحويلها إلى صورة بصرية وجمالية للتاريخ السينمائي.

وبينت تجربتها قائلةً: «زينب اسمي الحقيقي، وأشارك به أيضاً في الفيلم، مؤمنة أنه جزء من مصداقيتي كممثلة أثناء أدائي للدور، الحديث عن الفيلم نافذة للأسئلة، وبارقة أمل ليس لمفهوم الحب بشكل مباشر، ولكن لأهميته في تعريف تجليات العاطفة الإنسانية الكامنة»، موضحةً أن معايشتهما لتفاصيل العمل، عبر زيارات ميدانية لموقع الأسطورة في منطقة «إملشيل» الموجودة بين أحضان جبال الأطلس الكبير الشرقية في المغرب، تجربة رائدة لاستشفاف التضارب الصارخ لمصداقية تلك الأسطورة، ومواجهة أشخاص ينكرونها، وآخرين يصدقونها، مضيفةً أن الفيلم يمثل مقاربة يعيشها المغاربة الآن بشكل احتفائي، بعد تحول النكبة إلى مناسبة موسمية.

خلود الذكرى

تتمثل حكاية الأسطورة في «تيسليت» بطلة الأسطورة الأمازيغية، وهي حبيبة معشوقها «إيسلي»، حيث أحب كل منهما الآخر حباً مقدساً، ولم يكن ليقبلا أن يفرق القدر بينهما، غير أن إيسلي كان ينحدر من قبيلة معادية للقبيلة التي تنحدر منها حبيبته، ما منع تحقيق غايتهما في الارتباط والاجتماع معاً، نظراً للعداوة القائمة بين القبيلتين منعا من الزواج ببعضهما. فحزنا حزنا شديداً وبكيا بكاء حتى شكلا بحيرتين من الدموع، فأغرقا نفسيهما في هاتين البحيرتين.

ولا تزال هاتان البحيرتان تحملان اسم العاشقين. ويعتبر موسم «إملشيل» مناسبة لتخليد ذكراهما، وتقام فيه طقوس لجذب الشباب والفتيات للتعرف ببعهم البعض، إذا ما كانا ينويان الزواج، ويختتم التعارف بحفل كبير في منطقة إملشيل الجبلية، الواقعة في قلب جبال الأطلس.

بقايا هجران

حمزة بيّن أن سيناريو الفيلم تضمن تفاصيل جسّد خلالها ذلك الشخص الذي انتهى للتو من زواج فاشل، وتقابله زينب التي تعاني من أزمة بقايا هجران، تتداعى الحبكة بلقاء يجمعهما بشخصية محمد الحالمة، ليسيروا في تقاسيم رحلة إنسانية تجمعهم، مبيناً أن العمل السينمائي في المغرب، لا يزال حبيس فرص أو علاقات ومعارف، سبيلها إلى الإنتاجات المشتركة، وما يحتاجه المبدعون في الفنون الأدائية كالتمثيل في العمل السينمائي في منطقتهم.

هي القدرة على التسويق الجيد لمواهبهم وقدراتهم من خلال وسائل التواصل الاجتماعية المتاحة، وصولاً إلى جهات تسعى لاحتضانهم وتأسيس انطلاق نوعي للداخل الفني المحلي، والاستثمار الخارجي العالمي، لافتاً أن حضوره إلى مهرجان دبي السينمائي التاسع، ساهم في تعزيز القاعدة المعرفية للسينما المغربية، إلى جانب تعميق التعريف بطاقاتها للعالم.

 

 

استثمار

 

 

اتفق بطلا فيلم «محاولة فاشلة لتعريف الحب»، زينب النجم وحمزة عبد الرازق، على أن الأسطورة بالمفهوم المتعارف عليه أنها حكاية ذات أحداث خارقة للعادة، وأن وقائعها التاريخية تأسست على ذاكرة الجمعية المعنية بتغييرها وتحويلها وتعديل تفاصيلها، والفيلم هنا في موقعه استثمار إنساني للقيمة الجمالية للمخيلة، وأبعاد قدرتها على تفنيد الواقع، بسرديات الصورة البصرية، لجعل العالم أكثر تقبلاً لمفاهيم الحب والسلام.