تميّزت الحضارة العربية منذ انتشار الإسلام في أقطار الأرض، بالعديد من المزايا والقيم والإضافات النوعية التي قدّمتها للحضارة البشرية، من خلال علماء ومبدعين ومفكّرين وصلوا لمستوياتٍ راقية في الفهم والتحليل والبحث والتبحّر في شتى المعارف والعلوم والفنون ،حتى لنجد عدداً من المبدعين الأوائل برعوا في عدة مجالات متباعدة ،وقدّموا فيها أبحاثاً واختراعات مازالت تُدرّس في أكبر الجامعات حتى يومنا هذا.

من أهم الأسباب التي مهّدت لذلك العصر الذهبي هي المناخ الفكري الإبداعي اللامحدود والمُستمد من ثقافة " إقرأ " التي كانت أولى رسائل السماء إلى نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام. هذه الرسالة التي أمرت بالعلم والاطلاع والفهم والاستزادة من بحور المعرفة واغتراف أسباب القوة الثقافية والذهنية وتربية العقول على التفكير السليم وتعويد الأفكار على الحركة الدائمة التي تلتقط كل جديد ومفيد وتبتكر بناءً عليه نماذج إبداعية جديدة.

إلا أن واقعنا المعاصر للأسف الشديد ابتعد عن رسالة إقرأ باتجاه قلّد !

منذ مراحل التعليم الأولى التي تكون فيها عقول الطلبة في غاية الجاهزية لالتقاط المعلومة وتشكيل الهوية التي ستعمل بها طوال العمر ، يبدأ وحش التلقين بالهجوم عليها وبرمجتها على الحفظ ولا شيء غير الحفظ. ومن فلك العلم الزاخر لا يهمنا سوى ما هو موجود في المنهج ! أذكر جيداً أن من كانت تظهر عليها بوادر النبوغ من زميلاتي فتسأل كثيرا لتفهم أكثر تجد موقفاً عدائياً بانتظارها من المعلّمات ! أسئلتك خارج المنهج لذا هي غير مهمة ولا فائدة منها ! الرسالة كانت واضحة جداً ، التزموا بحدود المنهج لتجاوبوا في حدود الأسئلة وتنجحوا باتجاه منهجٍ جديد !

من أين سيستنشق الإبداع الهواء ونحن نخنقه في كافة سلوكياتنا ؟ تجد الطفل عندما يبتكر شيئاً ما غير مألوف أول ما يلقاه السخرية من أقرانه ! ثم التثبيط والإحباط وربما الزجر من أهله ! يجب أن يبقى متحركاً داخل المسارات المعروفة ليلقى بالضرورة نفس النتائج المعروفة أيضاً وبالتالي يبقى نسخة مكررة لا لون لها ولا إضافة !

التقيت أحد الآباء في إحدى الأمسيات وكان معه ابنه البكر في المرحلة الابتدائية، خلال الحديث كان الأب يمتدح بعض الشخصيات العربية والعالمية من المبدعين والمخترعين وكيف أنهم حفروا أسماءهم في التاريخ بإنجازاتهم وكان مفتوناً بقصة أديسون بشكلٍ خاص.

وخلال لعب ابنه بجهازه المحمول برقت عيناه وصرخ قائلا لأبيه: تعلمت طريقة مختصرة للدخول إلى الألعاب.

 فتجهّم وجه الأخير: بتخرّب الجهاز لا تتفلسف ! أصبح وجه الطفل كلوحة باكية مع وقف التنفيذ ، ثم أكمل الأب حديثه معي: اخترت لولدي يطلع مهندس مثلي عشان ينفع نفسه وأشوف نفسي فيه قدام الناس ! أحسست بالاختناق وغرقت الكلمات في حلقي وتمنّيت لو أن أديسون يظهر فجأة مع شريط كهرباء ليصدم ذلك المهندس بماس كهربائي علّه يستفيق من غبائه وتناقضاته !

فلاش:

عزيزي الأب .. دع عقول أبنائك تنمو من دون أن تجبرها على استنساخ عقلك

 

سحر الزارعي

الأمين العام المساعد