"يا رحلة الضوء الجميل.. يا قلب مغرم بالوجود.. ما بين مقام العشق ومقام الخلود .. ياقلب عمار الشريعي".. لعل هذه الكلمات الرقيقة التي كتبها الشاعر جمال بخيت ، مادحًا عمار الشريعي أقل ما يوصف بها عملاق الموسيقى الراحل ، الغواص في بحر النغم والألم.

هو رفيق الأورج وهرم الموسيقى العربية في انسانيته وموسيقاه وألحانه وإخلاصه لعمله ووطنه.. رحل الشريعي عن عالمنا ولم ترحل موسيقاه وألحانه التي لا نستطيع أن نمنع أنفسنا من تذكرها عندما نرى النيل العظيم أو الهرم الشامخ.

موهبة مبكرة

الشريعي استطاع بموهبته وقدراته الموسيقية العظيمة أن يهزم العمى، وأن يضرب المثل في الكفاح من أجل غايته وهدفه، وترويض موهبته المجنونة بالموسيقى والطرب. التحق بالكُتّاب وحفظ القرآن صغيراً في محافظته المنيا إحدى مدن صعيد مصر التي ولد بها عام 1948، والتحق بعدها بمدارس المكفوفين حتى ظهر ولعه وحبه للموسيقى واصراره على تعلم العزف على البيانو والكورديون وسرعة استيعابه للآلات الموسيقية المختلفة، وأخذ يتدرج التعليم والمشاركة في الحفلات والأنشطة الموسيقية في المدرسة حتى قرر أن يدرس الموسيقى بدلا من التحاقه بالأزهر.. وهذا كان يمثل تحديًا كبيرًا بالنسبة لكونه ينحدر من أسرة صعيدية محافظة، حتى انتصر في النهاية لموهبته .

مع بداية فترة السبعينات التحق عمار بالفرقـة الذهبية بقيـادة صـلاح عـرّام عـازفا للأكـورديون وظهر تفوقه وموهبته التي فاقت قدرة زملائه المبصرين على قراءة وحفظ النوتة الموسيقية إلى أن بدأ العزف ببراعه على الأورج ، ثم ظهرت أول إطلاله موسيقية له عندما لحّن أول أغنية له للفنانة مها صبري "امسكو الخشب" ولاقت نجاحًا طيبًا حتى بدأ تهافت الفنانين نحوه، وذاعت شهرته وصيته في مجال الموسيقى، وبدأ في تلحين وعزف تترات المسلسلات ببراعه عندما اسند إليه المخرج نور الدمرداش وضع الموسيقى التصويرية لمسلسل "بنت الأيام" لتكون بداية استخدام العود والموسيقى التصويرية المعبرة عن المضمون الدرامي في المسلسلات المصرية .

أقوى من الزمان

كانت كل مرحلة موسيقية للشريعي تمثل له انجازًا موسيقيًا وتجارب جديدة ناجحة، فقام في فترة بإعادة تلحين الأغاني القديمة لعبدالحليم حافظ وأم كلثوم وفريد الأطرش وغيرهم، ووضع لمساته الفنية وتركيباته الجديدة عليها وإدخال العود مع الكورديون والاورج وهكذا إلى أن لحن أغنية للفنانة شادية "أقوى من الزمان"، ثم اتجه بعد ذلك في مرحلة جديدة إلى انشاء فرقة غنائية موسيقية "الأصدقاء" كونها من ثلاث مواهب غنائية منى عبدالغني وأحلام وعلاء عبدالخالق، وكان لها صدى واسعا في هذه الفترة .

عملاق الموسيقى التصويرية

اتجه الشريعي إلى التعاون مع الشاعر عبدالرحمن الأبنودي وتلحين أغان لمطـربين صنعهم عمـار بالحانه مثل ورده وميـادة الحناوي ولطيفة وغيرهن الى ان ذاع صيته في وضع الموسيقى التصويرية للمسلسلات وتترات المقدمة والنهاية والتي اخذت النصيب الاكبر من نجاحات عمار، ووصل في النهاية الى تلحين ووضع موسيقى تصويرية لما يقارب من 150 عملا تلفزيونيا من أشهرها مسلسلات "أم كلثوم"، "ألف ليلة وليلة" ،"رأفت الهجان"، "آرابيسك"، و"زيزينيا " .

واتجه أيضا إلى الأفلام ووضع الموسيقى التصويرية فيه ونجح في مايقارب من 50 عملا سينمائيا من أشهرها "البريء " ، "حب في الزنزانة"، و"البداية" ، و"حليم"، بالاضافة إلى مايقارب من20 عملا اذاعيا وعشرة أعمال مسرحية.

ثم اتجه عمار الى تلحين الاوبريتات والاغاني الوطنية واغاني احتفالات نصر اكتوبر وايضا اغاني لدول عربية اخرى مثل سلطنة عمان والجزائر وبدا في تقديم برامج اذاعية وتليفزيونية مثل "غواص في بحر النغم" و"سهرة شريعي" و"المسحراتي".

 

 

عبقرية وابتكار

 

 

سجل عمار الشريعي العديد من الاختراعات والإضافات الموسيقية له . ولم يترك مجالا وإلا كان جزءًا من نجاحه، فمثلا استطاع عمار أن يلحن للدراما والسينما والمسرح والاذاعة وكذلك لحن لمطربين شباب مثل أحمد سعد ومحمد الحلو ومحمد ثروت ومطربين كبار مثل عمرو دياب ومحمد منير وورده وعفاف راضي ومطربين عرب مثل عبداللله الرويشد وكذلك أغاني عاطفية واغاني وطنية بالاضافة لاغاني للاطفال ايضا.

 

 

ياقلب عمار

 

 

بجانب عبقريته وعظمته الموسيقية تميز عمار الشريعي بتواضع شديد وحسن خلقـه وأيضًا خفة ظله وتفاؤله الدائم وخوفه الشديد على وطنه وهذا ماظهر أثناء وبعد الثورة، لم يستطـع قلب الشريعي أن يحتمل رؤية بني وطنـه ينقسمون ويتفرقـون ويتنازعون فيـمـا بينهـم حـتى توقـف قلبـه عن العزف، فمات، وتبقى كلمات بخيت "ياقلب عمـار الشريعي.. دقدق معانا بريشـة العمر الطويل.. بحر النغم بيقول يا نيل.. مش راضي منك بالقليل".