يعتبر الترفيه من أكبر الصناعات المؤثرة في العالم في الفترة الحالية، وتسيّر توجهاته امبراطوريات كبرى كـ«ديزني» و«سوني» و«ميكروسوفت» بإنتاجات ضخمة من ألعاب الإنترنت والبرامج والأفلام المتنوّعة في محتواها ورؤاها ورسائلها.

خبراء التربية ربطوا طردياً بين الحاجة للترفيه والتسلية وحجم الضغوط النفسية والاجتماعية وغيرها، بحيث أن الترفيه هنا يعدّ نوعاً من «الترويح عن النفس» واستعادة الطاقة والنشاط.

المشكلة كما أراها تكمن في طبيعة تناول المجتمع الخليجي للترفيه، والتي يغلب عليها الطابع السلبي، حيث مساحة الترفيه من ساعات اليوم آخذة في الاتساع، وآثار ذلك متصاعدة في اتجاه الآثار السلبية غير المرغوب بها.

وفق قياساتٍ متباعدة لاحظتها من وسائل الاتصال الاجتماعي ومن عددٍ من التربويين والأمهات والآباء، نصل لنتيجة مؤلمة وهي أن شريحة كبيرة من الجيل الجديد تبحث عن قتل الوقت من خلال الغوص في وسائل الترفيه والتسلية المختلفة، والمفارقة تكمن في أن الانغماس في الترفيه يسبب لهم قلقاً كبيراً وهاجساً شائعاً هو الملل.

الترفيه ضرورة لا شك، لكن المساق الذي يتخذه في بيوتنا ليس سليماً، أعتقد من زاويتي أن الاستثمار الأمثل لثورة وسائل الترفيه المتفجّرة كمّاً ونوعاً حولنا، هو صناعة «ترفيه ثقافي» يكون مدخلاً معرفياً مدروساً للأجيال الناشئة التي يجتذبها التشويق والإثارة أكثر من الفائدة. نحن بحاجة لمنظومة تربوية تطوّع التسلية للتثقيف بدلاً من عزله عنها وذلك لكل شريحةٍ عمرية على حدة.

إن «التعليم الجاف» أثبت محدودية أثره وجاذبيته وآثاره بعيدة المدى، وأعتقد أنه يعيش فترة «احتضار» لعدم تمكّنه من مجاراة مستجدّات العصر.

الوقت كما نعلم هو ثروة نفيسة غير قابلة للتعويض، والطاقة المتوقّدة لدى الأجيال الجديدة واقعٌ لا ينفع معه الإنكار أو المقاومة أو الطرق التي أكل عليها الدهر وشرب من اعتماد ثقافة العيب أو العقاب أو العزل! أستغرب من أولياء أمور لايزالون يطبّقون ذلك وكأن أدمغتهم معزولة تماماً عن واقع العصر وعن النتائج السلبية لسلوكياتهم المتحجّرة، ومازالوا يعاندون لأجل العناد معتنقين نظرية «بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون»!

التربية فنٌ وعلمٌ غاية في الأهمية والدقة، لأنه من أساسيات نهضة الأمم ورقيّها. ما ذنب «سعيد» الطالب في المرحلة الإعدادية الذي بثّ لي شكواه من أن أباه يمنعه من وسائل الترفيه ويجبره على مراجعة دروسه منذ الصغر ولايزال حتى الآن مصرّاً على أن الحفظ هو طريق النجاح وأن اللعب يضيّع المستقبل وسيجعل ابنه يهيم في الشوارع!

هذه العقليات مرفوضة تماماً.. وتلك التي تسمح بالتسلية طوال اليوم مرفوضة أيضاً.. فلنساعد الجيل الصاعد على أن يتثقّف وهو مستمتع ليبني عقله وفكره ووطنه.. فالتحصيل المعرفي المدمج بالترفيه ليس جريمة.. أليس كذلك؟

فلاش:

لكل روحٍ طاقة.. من الخطأ إثقالها بمسؤولياتٍ لا تتحمّلها.. ومن الخطأ تركها بلا مسؤولية