أن ينتخب رجل أسود رئيسا للولايات المتحدة الأميركية قد يكون حدثا فرضته ظروف تاريخية، أما أن ينتخب هذا الرئيس نفسه لولاية ثانية، فإن هذا يعني مؤشرا لتحولات مهمة في المجتمع الأميركي. هذا ما يريد الرئيس الأميركي باراك أوباما أن يقنعنا به واصفا ولايته الثانية بأنها نصره الأكبر. لكن ما يقوله أوباما قد يغدو صحيحا لو أن النظام الانتخابي في أميركا غير ما هو عليه.
ومع ذلك، سيذكر التاريخ أنه الرئيس الأميركي الأسود الأول الذي وصل إلى سدة الرئاسة، وهو الذي كان قد عبر عن شدة إعجابه بالرئيس الأميركي إبراهام لينكولن الذي أدخل التعديل الدستوري المتمثل بالمادة الثالثة عشرة، التي أنهت نظام الرق في أميركا بعد انتهاء الحرب الاهلية الاميركية.
لكن وصول أوباما، كما التعديل الدستوري للينكولن، كانت له مفاصله التاريخية. وربما لم يخطئ المخرج السينمائي سبيلبرغ عندما شبه الحرب الاهلية في أميركا في أسوأ أحوالها بحقبة بوش الابن، وهي الحرب التي حصدت أرواح اكثر من 750 الف أميركي، وكانت برأيه أسوأ حتى من فترة الكساد العظيم بالنسبة لأميركا.
كذلك، كان مجيء أوباما إلى الرئاسة في فترة مفصلية أيضا. ولايته الأولى شهدت أسوأ أزمة اقتصادية منذ الكساد الكبير، وأعقبت سياسات بوش الوحشية المدمرة لسمعة أميركا ومكانتها العالمية. لكن النظام نفسه الذي اختار أوباما لتلميع صورة أميركا في الداخل والخارج عمل على كبح أي انطلاقة له، وهو ابن هذه المؤسسة الضخمة أصلا. والخلافات المستمرة مع الجمهوريين الذين استولوا على مجلس النواب سرقت البريق من ولايته الأولى، وسمحت له فقط بتمرير برنامج مخفف من إصلاحات الرعاية الصحية.
كان خطابه الافتتاحي الأول قد صوب عاليا، لكن وعوده بالتغيير ذهبت أدراج الرياح. فالاقتصاد ما زال يجرجر أذياله وأوضاع الطبقة الوسطى إلى تدهور. ومع كل الكلام عن مساندته أوضاع الطبقات الفقيرة وزيادة الإنفاق الحكومي، فإنه صاغ منطقة الليبرالي جيدا عندما قال في مقابلة مع مجلة "تايم"، أخيرا: "أعدنا تأكيد الفكرة القائلة إنك إذا عملت جاهدا في هذه البلاد، يمكنك أن تبني نفسك".
وهو قد تراجع عن وعوده بإغلاق معتقل غوانتانامو وإعطاء محاكمات مدنية للمعتقلين، ويمضي في التشدق بأن كفاح الأميركيين السود قد وصل إلى نهايته بوصوله إلى سدة الرئاسة على الرغم من أن العنصرية ما زالت جاثمة على صدر السود والأقليات.
وأميركا ما زالت تخوض معارك في الخارج بعد أن ضاعف أعداد القوات الأميركية في أفغانستان، وقاد حربا موجهة عن بعد، وادعى الحق في القتل دون أي مراجعة قضائية، بل إن كثيراً من مواقفه كانت وريثة سياسات بوش، وإن بوسائل تعتمد أكثر على التحالفات الدولية.
وأوباما رغم إعجابه بلينكولن، إلا أنه أضعف من أن يحقق ما تمكن هذا الأخير من تحقيقه، يقول أوباما إن جانبا مما يعلمنا إياه لينكولن أنه من اجل السعي وراء المثاليات وقضية أخلاقية، فإن هذا يحتاج إلى الانغماس وتلطيخ اليد بالقذارة. لكن أوباما لسخرية القدر، قد يأخذ في النهاية من لينكولن اليدين الملطختين دون المثاليات.
فإذا كان انتخابه لولاية أولى نتيجة لظرف تاريخي عاشته أميركا، فإن عوامل عدة ساعدت في حصوله على ولاية ثانية، منها خصمه الجمهوري الضعيف والانقسام الحاد في صفوف الجمهوريين، خصوصا بعد أن برهن أوباما عن إخلاصه لمؤسسة ضخمة تطحن أبناءها وأبناء الكرة الأرضية.
