عاشت الصحف في مختلف أنحاء العالم فترات عصيبة في سعيها للتأقلم مع التقنية الحديثة ودخول عصر الصحافة الالكترونية بعد عهود طويلة من معايشة الورقية في ظل تدهور مبيعاتها وتراجع اعلاناتها فلجأت بعضها للاندماج وتأقلمت أخرى مع عالم الانترنت لاستقطاب من هجروها إلى الصحافة الالكترونية .

الحكاية طويلة للكشف عن آفاق تلك المسيرة. وقد بدأت الحكاية مع اقتراب نهاية العقد الأخير من التسعينيات، حيث تأكد الإدراك أن الإنترنت "قناة" مثالية لنقل وتبادل ملفات النصوص.

فالأخيرة لا تستغرق مساحة تخزينية كبيرة (مقارنة بملفات الصوت أو الصورة)، ومن ثم لا تحتاج وقتًا طويلًا لنقلها بين الحواسيب عبر الشبكة العالمية، فكتاب كامل في نحو 300 صفحة من القطع المتوسط ربما لا يحتاج مساحة تخزينية أكثر من 1 ميجا بايت (1000 كيلو بايت)، ويمكن نقله كاملاً خلال أقل من دقيقتين بسرعات الإنترنت الحالية، ونحو ربع الساعة بسرعة الإنترنت أواخر التسعينيات.

ونتج عن ذلك التطور أن حلت واجهات عرض (شاشات) الحواسيب محل صفحات الكتب (ولاحقاً الصحف) لدى فئات من المستخدمين، فتوجهت الأنظار لتحسين قدرة الشاشات على عرض النصوص، فأدمجت شركة مايكروسوفت في إصدار 98 من نظام تشغيل ويندوز تقنية "كلير تايب" (ClearType) التي توفر أحرفا أكثر وضوحا، وكانت شركة "آبل" قد سبقتها إلى ذلك بتقنية (TrueType).

ثم ظهرت الحاجة لمعيار لعرض ملفات النصوص على الإنترنت بصورة صحيحة على كل الحواسيب، أياً كانت لغة المستخدم، فبزغ معيار PDF"portable document format" من شركة أدوبي الأميركية، الذي يعرض النصوص والصور معاً بكفاءة، ويسر البحث داخل النصوص، وصاحب ذلك تطوير مستمر لشاشات أكثر كفاءة، فتزايد استخدام شاشات البلورات السائلة (liquid crystals)، خاصة في الحواسيب المحمولة، على حساب الشاشات التقليدية.

أما آخر التطورات فتمثلت في تقنية الحبر الإلكتروني التي تتيح محاكاة إلكترونية فائقة للصفحات المطبوعة ورقيًا، وقد استخدمت هذه التقنية شركتا سوني وأمازون في أجهزة قراءة الكتب التي طرحتها الشركتان عام 2007.

وبينما شقت التطورات طريقها، كانت الصحف على موعد مع الإنترنت، في البدء لم يكن واضحاً لدى الصحف الكبرى ما جدوى إنشاء نسخ "إنترنت"، وكيف يمكن أن يؤثر ذلك على عوائد الإعلانات، أحد مصادر التمويل التقليدية والأساسية للصحف، ولكن سرعة إقبال المستخدمين على الإنترنت (مثلما بدا مثلاً من إحصاءات المشتركين في خدمة مثل أميركا أون لاين) لم تدع للصحف فسحة للتفكير، فاستجابت المؤسسات الصحفية الكبرى، واحدة تلو الأخرى، للتيار الجارف وبدأت نشر نسخ صحف نيويورك تايمز، واشنطن بوست، غارديان على الانترنت.

وغني عن البيان أن الصحف قطعت رحلة طويلة من التجربة والخطأ خلال محاولتها التأقلم مع الوسط الإعلامي الجديد، فمع الإنترنت تدهورت مبيعات صحف عدة، وانتهى بها المصير في ملكية شركات كبرى تعتبر الصحف منتجًا، شأنه شأن المنظفات أو المحركات، مثلما حدث لصحيفتي لوس أنجلوس تايمز وشيكاغو تريبيون

نظرة تاريخية

ولا تسمح حدود الموضوع بمناقشة محاولات التجربة والخطأ للصحف كافة، ولكن ربما يكون مفيدًا أن نلقي نظرة على الصحف التي حافظت على حضورها لدى القراء وجودة موادها الصحافية، لنستجلي المشترك بينها ونستشف أسباب نجاحها.

لنعرف أهمية هذا اللقاء بين الكلمة المكتوبة والحواسيب، لا بد من إلقاء نظرة تاريخية سريعة على تطور طريقة تسجيل البشر لأفكارهم وتاريخهم. في البدء كان الحجر، حفرًا ونحتًا، رسمًا وكتابة. ولوقت طويل من وجود البشر على الأرض ظل الحجر أكثر وسائل التسجيل كفاءة، إلى أن اخترع الصينيون الورق، قبل نحو 105 أعوام .

وانتشر الورق خلال القرن الثامن الميلادي في العالم الإسلامي في ظل حكم الدولة العباسية، وبحلول القرن الرابع عشر بدأت مطاحن الورق الانتشار في أوروبا. ثم كانت القفزة الكبرى في أواسط القرن الخامس عشر (1450) عندما اخترع جوتنبرج ماكينة الطباعة. وخلال الأعوام الخمسمائة والخمسين التالية، تطورت صناعة الورق والمطبوعات بقفزات وقفزات.

ثم سطعت شمس يوم حار من صيف عام 1995، لتجد مسار القرون الخمسة الماضية قد انعطف. فطرحت شركة متصفح الإنترنت نتسكيب (Netscape) أسهمها للاكتتاب العام في بورصة ناسداك الأميركية، لتبلغ قيمتها السوقية في أول أيام التداول نحو 2.2 مليار دولار.. بعد 16 شهرا فحسب من بدء نشاطها.

أهمية ذلك اليوم أنه فتح الأعين للآفاق الكبيرة لوسيط التواصل الآخذ في البزوغ -الشبكة العالمية للمعلومات اختصارا" WWW" والذي صار استخدامه في متناول الجميع عبر نافذة نتسكيب البسيطة.

والعارفين بهذه التقنية. واعتَمد متصفح الإنترنت واستفاد من تقنية الشبكة العالمية (التي طورها تيم برنرز لي عام 1990).

 

 

 

حداثة

 

 

أظهر نجاح نتسكيب الاستثنائي لفئات واسعة من عموم المستخدمين، ومن الساسة وصناع القرار والأكاديميين وخبراء الأعمال، أنه صار بالإمكان تناقل المحتوى المعلوماتي (رسائل أو كتب أو صحف، أو ما سواها) دون الحاجة لقطع المزيد من الأشجار. (لم يتوقع أحد أن يحقق "مبرمجون" هذا الإنجاز البيئي الكبير؟!.

أظهر ذلك اليوم أيضا تدني كفاءة الورق كناقل وحافظ للكلمة المكتوبة. فبدلاً من قطع الأشجار، ثم عملية صناعة الورق، ثم الأحبار وماكينات الطباعة والتغليف والشحن -وما يتبع ذلك من كلفة.

يوم التاسع من أغسطس عام 1995 كان إذاً بداية النهاية لـ"حقبة الورق" من تاريخ البشر. ولم يكن ذلك لأن الورق قد نضب -تمامًا كما لم تكن الأحجار نضبت حين اختُرع الورق.