منذ بداية تجربتي مع الفن والفكر والثقافة وحاسة الملاحظة تنمو وتزدادُ حساسية والتقاطاً، فعلاقة الصداقة مع أيامي تعتمد على القدر المعرفي الذي نهلتُه خلال يومي من خلال حدثٍ أو أشخاصٍ أو مواقفَ ومفارقاتٍ حصلت أمامي .. ونادراً ما يخلو يومي من كل ذلك .. حينها ألجأ للمعلّم الأول .. الكتاب .. ليقوم بإنقاذ صداقتي مع الزمن.

منذ بداية تكوّن شخصيتي الفنية وأنا أشعر بالرفض الفطريّ الشديد لمبدأ "المصدر الواحد" رغم أنه مبدأ معتمد لدى ثلةٍ من الناشطين في الوسط الثقافي، أشعرُ أنهم "فقراء" و"ضعفاء" على المستوى الفكري رغم تضاد الصفات المذكورة على المستوى الحياتيّ.

القناعات غرسٌ جذريّ في حياة كل مفكّر يتبنّى قضية ويحمل رسالة، القناعات لديه هي أدواته التي ينجز بها أعماله ويقلع بها أشواك العقبات والمصاعب التي تعترضه، وهي النبتة التي تتفشى تحت جلده ،وتصبحُ من مكوّنات دمه ومراكز الثقل في دماغه. إذاً .. ماهية قناعات المفكّر تشكّل وجهه التعريفي التي يقدّمه للناس ويرسخُ في أذهانهم منذ اللقاء الأول.

البعض يعتمد في تشكيل قناعاته على مئات المصادر المعرفية ، والأقنية الفكرية ، ويحفظ الكثير والكثير منها ، ويحتفظ به كذخيرةٍ لفظية يطلقها في المناسبات المختلفة، لكنه لا يملك تجاهها أي موقفٍ ثابت !. لقد اختار أن يكون وعاءً لخليطٍ عشوائي من الحشو الفكري وحسب ! أصحاب هذا النوع يطيلون الحديث مع أمثالهم ، ويهربون من الحديث مع ذوي المواقف الثابتة والآراء الحادة.

بينما ينهلُ البعض الآخر من عددٍ من المدارس الفكرية والثقافية ، ويدرس فكرها ونظرتها للعالم ويمضي وقته سائحاً بين التجارب العظيمة لكبار المفكّرين والفنانين ذوي البصمات الغائرة في جبين الحضارة الإنسانية، يتعمّق في تفاصيل تجاربهم وأبعادها ونتائجها وأخلاقياتهم في التعامل مع الأصدقاء والأعداء ومع التشابه والاختلاف.

 يستمعُ لمئات الآراء والتجارب دون أن يكترث في الحكم عليها لأنه مشغولٌ بملاحظة فكر أصحابها وتأثيره عليهم وطريقة تعبيرهم عنه. صاحب هذا النوع كنزٌ معرفي لأنه كريمٌ على كل من حوله بإضاءاته الممتعة وحديثه الشيّق وقدرته العالية على المناقشة مع المؤيدين لفكره والمنتقدين له. أفخرُ بمعرفتي لعشراتٍ من العقول النيّرة من هذا النوع وأعترف بفضلهم في إثراء حصيلتي.

فريقٌ آخر يلبس قناعاته كـ "قناع" يغطي به وجهه عديم الملامح ، ليأخذ القناعُ شيئاً فشيئاً دور الوجه، خلق الله وجوهنا بإعجازٍ لامثيل له. فالوجه له شكلٌ محدد ،ولكنه مرن ليستطيع التعبير عن دواخل صاحبه بعشرات التعابير التي تفوق الكلام فصاحة ودقة في الوصف. هذا النوع ينتقي مدرسة أو اتجاهاً فكرياً ويعيش العمر كله يقتاتُ عليه ويدافع عنه ويهاجم الآخرين بحجة الانتماء إليه. أصحاب هذا النوع أشفقُ عليهم من ثقل أقنعتهم وتجريحها لوجوههم .

فلاش:

وجهك مهما كان لونه فالأصل فيه الجَمَال .. لا تستبدله بقبحِ الأقنعة الملوّنة

 

سحر الزارعي

الأمين العام المساعد لجائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم للتصوير الضوئي