«ماذا تعني الهوية؟» سؤال فلسفي كبير، لا أحد يمتلك إجابة عنه تحديداً، والسبب أن لكل شخص فيه رؤية ومنطقاً مختلفاً، ما يُبقي للهوية إجابات خاصة، تشبه إلى حد كبير التي قدمها لنا الشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي حيّره هذا السؤال كثيراً، ليجد أن أفضل إجابة عنه تكمن في مقولته: إن «الهوية هي ما نورث لا ما نرث ما نخترع لا ما نتذكر».

وبين جملة درويش وفيلم «موسم حصاد» لا يوجد فرق فكلاهما له ذات الهدف، ففي الفيلم محاولة جادة للإجابة لهذا السؤال، عبر حكايات مختلفة لأربعة مخرجين عرب اشتركوا جميعاً فيه، هم سامح زعبي من فلسطين، ميس دروزة من الأردن، أريج سحيري من تونس، ونسيم أمعوش من الجزائر، والذين أبدعوا في تقديم حكايات تبين رؤاهم للحياة والعلاقات العائلية وجملة من القضايا المتوارثة من جيل لآخر.

المخرجون الأربعة ينطلقون في هذا الفيلم من حكايات مختلفة يبحثون فيها عن جذورهم بمختلف أشكالها، والجميل أن هذه الحكايات لم تبق حبيسة الحدود العربية، وإنما تجاوزتها لتتغلغل في أوروبا، لتطل علينا منها حكايات عربية الأصل، لترسم لنا صورة حميمية للعالم العربي، حملت بين خطوطها حنيناً للعائلة وقلقاً عشعش في صدور العرب على الوطن.

قوالب شخصية

ولكن كيف بدأت فكرة الفيلم؟، عن ذلك يقول منتجه رائد أنضوني لـ«البيان»: «الفكرة أساساً جاءت من شعر محمود درويش نفسه، والذي طرح سؤال الهوية، ومن بعده بدأ أبناء الجيل الجديد بطرح ذات السؤال على أنفسهم في محاولة لإيجاد إجابة شافية عليه.

وحتى نترجم هذا السؤال على أرض الواقع طلبنا من هؤلاء المخرجين التعبير عن وجهات نظرهم فيه، لتصلنا في النهاية مجموعة قصص عائلية من الجزائر وتونس وفلسطين والأردن، لا تبارح أحداثها أسوار عائلات هؤلاء المخرجين، وتدور في مجملها حول الهوية وأشكالها وماذا تعني لهم».

وأضاف: «أعترف أن كافة القصص الموجودة في الفيلم ذات قوالب شخصية، ابتعدت في داخلها عن هيمنة الدولة أو النظام، وبتقديري أن سبب ذلك يكمن في أن اهتمام هؤلاء المخرجين لم ينصب على طبيعة الحدود السياسية التي تفصل الشعوب، بقدر ما انصب على تعريف الهوية والعودة إلى الجذور، ومن هنا جاء نجاح هؤلاء المخرجين في إثارة السؤال وتقديمه بصيغة سينمائية جميلة».

ومن جهة أخرى، أكد أنضوني أن «موسم حصاد» فيلم لا يرتبط بمكان معين، بقدر ما يبحث في مكونات الهوية والجذور.

خطوط خاصة

المتابع للفيلم يشعر بأن لكل مخرج خطوطه الخاصة، ورؤياه حيال قضية الهوية، ولذلك فقد كان التعبير عنها مختلفاً بين كافة البلدان التي صورت فيها أحداث الفيلم، والتي تنقلت بين الأردن والجزائر وتونس وفلسطين، بالإضافة إلى فرنسا.

وعن تجربتها في الفيلم، قالت التونسية أريج سحيري: «انطلقت في حكايتي من نقطة أنني فتاة لا أملك من الدنيا شيئاً مادياً يمكن أن أرثه، وهذا قادني إلى البحث عن هويتي وجذوري الحقيقية، والتي بدأت باكتشافها مع قيام ثورة الياسمين التونسية، ورحيل بن علي عن البلد، حينها فوجئت باختفاء والدي من فرنسا البلد الذي ولدت وتربيت وعشت فيه، وقررت الذهاب إلى تونس للبحث عنه.

وهناك اكتشفت شخصية والدي الحقيقية، حيث لمست طفولته والأماكن التي ترعرع فيها، والتقيت بالناس الذين يعرفهم ويعرفونه، ومع ذلك بدأت باكتشاف هويتي الحقيقية، الذي نفى معه أي تبرير لأن أعيش في بلد آخر». وأكدت أريج أن اكتشاف الأصول والجذور هما الهوية الحقيقية لأي إنسان، والذي مهما ابتعد عن أرضه لا بد أن يعود لها حتى وإن كانت مصادفة.