مشكلة الوعي بثقافة الزواج من أجنبيات، اعتمد لفترة طويلة في مؤسساتنا المعنية، بخطورة التنوع، وإشكاليات إفرازاته على مستوى اللغة والتاريخ والعادات والبنية المجتمعية، مشكلاً توجهاً آمناً بأهمية الحفاظ على الجيل المقبل، وأهمل التوعية بالقيمة المعنوية للفرد من أب إماراتي وأم غير إماراتية أو ما يطلق عليه "نصف إماراتي"، والذي جاء عنواناً لفيلم المخرجة الإماراتية أمل العقروبي، استثمرت عبره صناعة الأفلام في الإمارات، لإعادة بيان البعد الاجتماعي لدور الأبناء النصف إماراتيين، كونها من أب إماراتي وأم سورية، ولما تحمله هذه الفئة المجتمعية من ثراء ثقافي، يصنفهم كسفراء الثقافة المحلية إلى العالم، موضحةً أمل أن السبب الرئيسي من تقديم العمل يعود لسببن هما: دراسة الحالة العامة لحجم المعاناة لهؤلاء الأفراد في مجتمعهم، إلى جانب تكثيف جرعات الوعي بأهمية اعتبارهم جزءا حيويا في الداخل عبر تغيير الصورة النمطية للنظرة الدونية بمعيار جنسية الأم سواء كانت أجنبية أو مصرية أو سورية أو هندية أو غيرها.
صورة نمطية
"نصف إماراتي" حصد أعلى مشاهدة في عرضه الأول في مهرجان دبي السينمائي 9، وبالنظر لفكرة الفيلم، فهناك إمكانية اتهامك بالسعي بتشجيع الزواج من أجنبيات، إيماناً بالثراء والانفتاح والثقافة، كيف تفسرين ذلك؟
هناك تفصيل يجب توضيحه قبل الخوض في معترك الاتهامات، أنا لم أعمد إلى تشجيع أو منع، قرار الزواج في النهاية يعد حقاً إنسانياً وأبعاد الاختيار يقررها الأشخاص، وبالنسبة للفيلم أردت وبشكل شخصي كوني نصف إماراتية إلقاء الضوء على تجربة هؤلاء الأشخاص في المجتمع، وحجم المعاناة المعنوي بالدرجة الأولى والتأثير النفسي، للصورة النمطية والنظرة الدونية من قبل المجتمع تجاههم، اعتماداً على جنسية الأم، التي تلعب مكانة بلدها دوراً في التصنيف.
معاناة خاصة
حديثك عن الوعي، يحمل شقين هما حضور الشخص النصف إماراتي كإثراء للثقافة الإماراتية في الداخل المحلي من جهة، وسفيراً لها في الخارج، كيف تصفين ذلك؟
فعلياً الوعي بأهمية تفاصيل هؤلاء الأفراد وحجم ثرائهم الثقافي، يقدم لنا الدور الذي سيلعبونه، في مستوى التعبير عن الثقافة الإماراتية، أتذكر حادثة جمعتني بالسينمائيين في ألمانيا في إحدى المهرجانات العالمية، واكتشفنا أثناء تعرفنا على بعض، بأن أغلبنا من أم ليست إماراتية، وكان الشيء بالنسبة لي دعوة لتساؤل دائم، هل يشاركني أشخاص آخرون التجربة نفسها، وهل هناك معاناة خاصة بهم؟ ويأتي قرار صناعة الفيلم جزءاً حقيقياً للكشف عن تلك الإجابات.
أتذكر هنا موقفاً لإحدى الفتيات، التي شاطرتني التجربة، حيث إن أباها إماراتي وأمها سورية، وقلت لها يومها: جميل والدتك سورية مثلي، دعيني ألتقي بها وأتعرف عليها، شاحت عني بوجهها سريعا وقالت: أنتِ لا تظهر عليك الملامح، أما أنا فـ " مبيّن عليّ "، أي يعرف عنها أنها من أم ليست إماراتية، وبالتأمل قليلاً فالموقف، ستلاحظون أن هناك من يعيش بعد فيه من الألم النفسي بسبب ذلك.
الطب والسينما
استثمار طرح الفكرة باستخدام تقنية الفيلم الوثائقي، والخلفية البيضاء، حيث يجلس الأشخاص ويتحدثون فيها عن تجربتهم، ما سبب اختيارك هذا النوع من الطرح السينمائي؟
أنا متخصصة في مجال الطب، وأردت تجربة شيء يلامس الواقع، والوثائقيات بالنسبة لي الأقرب إلى قول الحقيقة، أما بالنسبة للسيناريو واستخدام الخلفية البيضاء، فإنها تعمل على تعزيز تركيز المشاهد على ما يقال بشكل أكبر من دون تشتيت، ورغبة حقيقية مني لإيصال القصة بشكل إنساني للجمهور حول العالم. وكوني طبيبة سأتناول "التوحد" عنواناً لفيلمي المقبل، والذي يشكل رسالتي للماجستير في مجال الأعصاب.
وهنا أستطيع الجزم أنني لا أزال أبحث في معاني العزلة والوحدة، ففي فيلم "نصف إماراتي" شعرت أن هناك أشخاصا كانت تلتهمهم الوحدة، وإعادة الوعي حول أهمية احترامهم كإماراتيين باعتبارات الانتماء والعطاء، معياراً للاحترامهم وتقديريهم المجتمعي.

