فترة الثمانينات والتسعينات في الإمارات، ملأى بتفاصيل تستحق التدوين، وفيلم "صافي" للمخرج الإماراتي أحمد زين، يطرح نفسه كأحد تلك التفاصيل ببحث سينمائي قصير عبر الصورة، في زمن كانت اللقاءات فيه، لا ترتبط بتكنولوجيا أو وسائل التواصل الحديثة، واكتفى فيه أهل المنطقة بمزاولة عناوين القرب بحكم "الفريج" أو"الجيرة"، جسراً للتواصل الإنساني السامي.

بين فكرة الفيلم التي تناولت عهد اللاقط الهوائي اليدوي في الإمارات، وتمويله وإنتاجه يؤمن مخرج العمل أن "صافي" مشهد قريب منه، وعايشه مرات عديدة، في صغره، وذلك بالسعي لتصفية قنوات تلفزيونية معددودة يصعب إظهارها بشكل واضح. وأشار زين إلى أن محتوى "صافي" يتمحور حول قصص تعود للذاكرة المحلية، حيث كان قديماً يقوم أحد الأشخاص بالخروج للساحة الخارجية (الحوش)، لتحريك اللاقط الهوائي - يسمى في الماضي باللهجة المحلية (إريل)- بشكل يدوي إلى عدة جهات بين اليمين واليسار ، قائلاً "صافي"، ويرد عليه شخص آخر يترقب المشهد في التلفزيون من خلال الوقوف أمامه، مجيباً عليه:"حرك شوي يمين..لا لا حرّكه صوب اليسار"، إلى أن يتم توضيح الصورة التلفزيونية بشكل يمكن رؤيته. والطريف في الطرح أن زين حاول صناعة الفيلم بروح كوميدية، عزز فيها حضور بعض الإكسسورات، افتقد فيه إلى بعض الاستيعاب التقني، بأخطاء في زوايا الالتقاط لبعض المشاهد.

محاولة فاشلة

جماليات العهد الماضي، تكمن في طريقة إحياء ذاكرة تاريخ التواصل بين الناس، عبر قراءة الفيلم، تجد مجموعة من الشباب اليافعين، وفي أجواء الغرفة الخارجية، التي يوجد بها التلفزيون، مكان التجمع لمشاهدة أفلام عربية أو هندية كانت تعرض في قنوات تدعى " قنوات أرضية"، حيث لا وجود للقنوات الفضائية أو ما يسمى بـ"العربسات" و"النايل سات". كالعادة يتفقون على أن يتكفل أحدهم بالصعود إلى سطح البيت لتحريك اللاقط الهوائي اليدوي، باتجاه اليمين واليسار. والمضحك في مشاهد فيلم "صافي"، أن كل محاولات السعي لتعديل الموجة التلفزيونية، تنتهي بالفشل إلى أن ينتهي وقت الفيلم التلفزيوني، ولم يشاهد أي من الشبان العرض. وقال زين حول ذلك:"أردت من الفيلم، بيان العلاقات الإنسانية بين أبناء المنطقة أو الأخوة في بيت واحد، بتجسيد حالة المعاناة التي كنا نتكبدها لمشاهدة التلفزيون في تلك الفترة، أعتقد أن جمالية الفكرة في أنها رواية محلية مشتركة، تجذب فضول المشاهد من الإمارات والعالم".

نافذة توثيقية

"صافي" يعرض تقاطعات بين الماضي والحاضر، بمشاهد يبرز فيها الدش الحديث، وإحدى الشخصيات المشاركة في العمل، وهو يقف فوق سطح البيت، يسترجع بذاكرته في عناوين التواصل الحديث والقديم. وكيف أن الزمن مر دونما وعي بحجم التغيرات التي شكلت جزءاً من ثقافة الأفراد والمجتمعات، مقدماً المخرج عبر هذا الفيلم مضموناً عميقاً بسيناريو خفيف، عرج به على إحدى أهم النقلات النوعية في مجتمع الإمارات، موضحاً للمتابع بإمكانية بيانها بأشكال وصور بحثية أكبر وأكثر، وأنها نافذة لمنحى توثيقي يستحق البحث. ولم يكتف زين بعرض إشكالية التعامل مع التلفزيون وصعوبات وضوح الصورة وكيفية معالجتها في الثمانينات وأوائل التسعينات، بل دعمها ببعض الحالات الاجتماعية السائدة وقتها، ومنها تصوير مشهد للممثلين الشباب وهم يلعبون الورق في غرفة التلفزيون، مستثمرين بها حالة ترفيه صنعوها تزامناً مع معطيات تلك الفترة في الإمارات.

تطلعات

 

يعتبر المخرج أحمد زين من الرعيل الأول للسينما في الإمارات، وكانت انطلاقته الأولى مع "أفلام من الإمارات" عام 2002. ويتحدث زين عن الدعم والتمويل محلياً، بأنه نقاش لا مكان له بين أروقة الملتقيات السينمائية، في ظل ارتقاء المستوى المؤسسي والوعي العام تجاه الإبداع السينمائي، منوهاً إلى أن الدور الأساسي يتحمله صانع الفيلم، للحصول على التـــمويل والخروج للعالم، قائلاً بصوت واثق:"آخر 6 سنوات أنتجت أفلامي القصيرة بدعم من مؤسسات ثقافية خارجية، وفعلياً أنا مؤمن بأن مؤسساتنا تبحث عن الفكرة المتميزة إلى جانب الموهبة الفنية وأسلوب التناول التقني الجيد في الفيلم". ويرى زين أن تطـــلعات السيـــــنمائيين الإماراتيين متعلــــقة بإنتاج أفـــلام طويلة، خاصةً من أتم منــــهم 10 ســنوات في المجال، معتبراً نفسه بعد 15 فيـــلماً قصـــيراً وثقـــت سيــــرته الفنية، جاهزاً لخوض غمار الفيلم الطويل.