«الموسيقى الكلاسيكية، لماذا يتجنبها العرب؟»، عنوان المحاضرة التي ألقاها الشاعر العراقي المقيم في لندن، فوزي كريم، في ندوة الثقافة والعلوم بدبي، أول من أمس، وقدمها وأدار الحوار فيها ناصر عراق، بحضور معالي محمد المر، رئيس المجلس الوطني الاتحادي، وسلطان صقر السويدي، رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم، وبلال البدور، وكيل وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وعبدالخالق عبدالله، رئيس اللجنة الثقافية في الندوة، والمغني الإماراتي عبدالله بالخير، والفنان الإماراتي إبراهيم جمعة.
المحاضر استهل محاضرته بسرد أصول الموسيقى الغربية، وأهميتها في صياغة الذوق الأوروبي في التمتع بهذا الفن الراقي، مؤكداً أن الإصغاء إلى هذه الموسيقى يحتاج إلى خلوة، وذلك لا يتحقق إلا إذا كرس الإنسان مشاعره وأحاسيسه لهذا الفن، لأنها مثل حقل الرياضيات، الذي هو جزء من الفلسفة، التي تتطلب قراءة وتأملاً شديدين.
وضرب مثلاً على ما يكمن في تراثنا العربي من هؤلاء المنظرين للموسيقى أمثال «الكندي والفارابي وإخوان الصفا»، إلا أن الموسيقى العربية ظلت مقتصرة على الأبحاث، ولا وجود للجانب العملي عند العرب.
لعبة الكريات الزجاجية
كريم أشار إلى الشاعر الألماني الكبير غوته، وكيف كان يصف الرباعية الموسيقية بأنها أربعة مفكرين يتحاورون حول المائدة، كذلك نوما سمان، طلب وهو على سرير الموت أن يستمع إلى خماسية شوبارت، والكاتب هيرمن هيسه اعتمد في كتابة روايته «لعبة الكريات الزجاجية» على الموسيقى.
وأكد المحاضر أن الموسيقى الجادة مثل الكتاب والفن والمسرح الجاد، لكن في الوقت الحالي أصبحت الشركات هي التي تروّج الموسيقى، حيث طغت الآلات الموسيقية على صوت المغني المنفرد، فلم يعد الناس يستمعون إلى الطبقات الصوتية للمغني، ولم تعد الموسيقى بحاجة إلى الصوت الرائع، وخاصة في حضور الموسيقى الإيقاعية، لافتاً إلى أن الموسيقى الكلاسيكية لا تحتاج إلى النص الشعري، إذ لا دور له، بل يأتي دوره ثانوياً في موسيقى فيريدي على سبيل المثال، كما أننا لا نهتم كثيراً لما تقوله الموسيقى الهندية، لأن الهند تتوافر فيها عشرات اللغات.
إذاً لا علاقة للموسيقى بالنص الشعري.
الإسلام والموسيقى
الشاعر فوزي كريم استطرد متسائلاً خلال محاضرته: هل لدينا نحن العرب موسيقى كلاسيكية؟، ربط بعده بين الإسلام وبين ما شاع عنه بأنه حارب الموسيقى، مؤكداً أن الإسلام أثبت بأنه لم يحارب الموسيقى كما شاع عنه، وهو ما يتجلى في ما فعله من تفجير لينبوع الموسيقى في الحضارات الأخرى التي ولد فيها الإسلام أي في الهند والصين وإيران وتركيا.
والعوائل التي توارثت الموسيقى الكلاسيكية إسلامية، كما يشير لقب خان.
وأكد المحاضر بأن الإسلام لم يكن حائلاً بين الشعوب وبين تفجير هذه الحاجة الأساسية الموجودة لدى جميع الشعوب، إلا أن الإسلام الذي حمل السمات العربية، تميز بروحه الصحراوية، وشيد مدناً داخل الصحراء، ولم توفر هذه البيئة متعة ولذة الاستماع إلى الموسيقى. وهذه الموسيقى لا تحتاج إلى العنصر الروحي بل إلى العنصر العقلي أيضاً.
ثم قارب المحاضر بين الشعر والموسيقى، وطرح السؤال التالي: لماذا لم يولد لدينا شعراء مثل عمر الخيام وجلال الدين الرومي والشيرازي؟ إلا أنه جاء على ذكر كل من أبو تمام والمتنبي وأبو العلاء المعري، مؤكداً أنهم أثروا الذائقة العربية، إلا أن الشعراء الآخرين أي الخيام والرومي والشيرازي وصلوا للعالمية، لأن أشعارهم ذهبت في المدى البعيد في أفق التساؤل والحيرة.
نقاش
شهدت المحاضرة ردود أفعال مختلفة بين الجمهور، وقد تدخل البعض منهم بإثارة الأسئلة أو التعليق على المحاضرة، حيث أيّد عبدالله بالخير المحاضر فيما ذهب إليه من عدم تعارض الإسلام والموسيقى، وشدد إبراهيم جمعة على الطاقات الكبيرة التي تحملها الموسيقى العربية التي لم يتم استثمارها إلى حد الآن.
وتراوحت ردود أفعال الجمهور بين تأييد المحاضر في ما ذهب إليه ومعارضة البعض الآخر حول جملة من الآراء، وخاصة في ما يتعلق بتجنب العرب للموسيقى الكلاسيكية، وشدد البعض الآخر على أن عزوف الجمهور عن الموسيقى الكلاسيكية يعود إلى التربية التي يتلقاها الطلبة في المدارس.
سيرة شاعر
فوزي كريم الطائي 1945 بغداد، العراق. تخرج في كلية الآداب - جامعة بغداد - قسم اللغة العربية 1967. عمل مدرساً لعدة أشهر بعد تخرجه، ثم تفرغ لنشاطه الأدبي والفني. وإلى جانب ذلك أصدر مجلة خاصة بالشعر في لندن بعنوان «اللحظة الشعرية».
عاش في بيروت بين سنتي 69 - 1972، ثم عاد إلى بغداد، وتركها ثانية عام 1979 متوجهاً إلى لندن، حيث استقر. دواوينه الشعرية: حيث تبدأ الأشياء 1968 - أرفع يدي احتجاجاً 1972 - جنون من حجر 1977 - عثرات الطائر 1983 - لا نرث الأرض 1988 - مكائد آدم 1991 - قارات الأوبئة 1995 - قصائد مختارة 1996 - قصائد من جزيرة مهجورة 1998.

