الفن مرآة الشعوب وبطاقتها التعريفية المميّزة لها، والعين السحرية التي ترانا بها الحضارات الأخرى وتصنع انطباعها بناءً عليه. فنوننا هي مزيجٌ من عاداتنا وتقاليدنا وعقيدتنا .. وطريقة تفكيرنا ومجالات اهتمامنا ورؤيتنا للحياة وطريقة تعبيرنا عن مشاعرنا وانفعالاتنا وطموحاتنا ومواقفنا مما يحصل حولنا في هذا العالم.

أما الفنانون فهم لبّ القضية .. فهم كشعراء وكتّاب ورسّامين ونحّاتين ومصوّرين وموسيقيين وغيرهم .. سفراء حقيقيون لثقافة البلد الذي ينتمون له والبيئة التي ترعرعوا فيها والأفكار التي نشؤوا عليها والمُثُل والأخلاق التي غُرست فيهم وشكّلت نواة فكرهم منذ نعومة أظفارهم.

يأتيك مثقفٌ يعتبر نفسه من القامات الفارعة في الساحة الثقافية وهو بكامل اكسسواراته اللفظية وزخارفه المقتبسة وإنجازاته المفخّمة ليقع بكل سهولة وعفوية في فخٍ كلامي مزرٍ وشائن حينما ينتقص من مثقفٍ آخر ويعيبه بسبب جنسيته!! هل تتصوّرون مدى الصدمة التي تلقيتها؟ ومدى الإحباط والغصة التي تملّكتني وكل من حولي!! منذ متى كانت الجنسية معياراً للتفاضل بين البشر؟!

هل هذه أخلاقنا وسلوكنا؟ ثم إذا كانت هذه أخلاق بعض المثقفين فما تكون أخلاق العامة؟ يطلب مقابلتي أحد الكتّاب ملحّاً وحين جاء بدأ باستعراض عضلاته الثقافية وإنجازاته المهولة "وهذا سلوكٌ أصبح طبيعياً للأسف" وخلال نقاشه معي تقع عيناه على كتابٍ في مكتبتي فيركبه عفريت الدهشة والصدمة والاستنكار وكأنه لمح كتاباً لـ"سلمان رشدي"! تقافزت من وجهه المثلثات والمربعات والزوايا وعبارات اللوم والزجر متهماً الكاتبة بأنها "منفصلة" عن الواقع و"متصلة" بذاتها و"أحادية" النظرة و"مزدوجة" الانتماء والعشرات من "الخرابيط الحولاء" التي وصفها بها ..

مع أنها ذات فكرٍ متوازنٍ وطروحاتها عن هدر حقوق المرأة عربياً واقعية جداً وكتبها تحقّق أعلى المبيعات دوماً.

هنا سألته بكل حيادية؟ هل قرأتَ كتابها هذا قبل أن تحكم؟ أجاب: لا .. لا أحب اللون الأسود! حبست غضبي ودهشتي وعشرات العفاريت التي بدأت الصراخ في أذني وسألته ببرود: ماذا قرأت لها؟ وكان جوابه كطائرة اصطدمت بأبراج عقلي لتحدث انفجاراً هائلاً: ومن هي حتى أقرأ لها! سألته وعلى وجهي أكثر من 20 خريطة عنوانها "الدهشة": وكيف تحكم عليها بكل هذه "الجراءة" التي قلتها دون أن تقرأ لها شيئاً لتفهم فكرها ووجهات نظرها؟ أجاب متلعثماً: قرأت لها مرة مقالة ..

مقالة أو قصة لا أذكر في مجلة اللللـ .. مجلة أو صحيفة لا أذكر! وكان العنوان مستفزاً جداً! سألته: ماذا كان العنوان؟ أجاب: لا أذكره جيداً كان فيه تهجّماً غير منطقي على الرجل! سألته: ماذا عن المقال نفسه هل كان مستفزاً أيضاً؟ أجاب ملوحاً بيده بنفاد صبر وباحمرارٍ في الوجه: لا أحب قراءة المقالات ذات العناوين المستفزة! وخرج من مكتبي لا يلوي على شيء وفي قرارة نفسه إحساسٌ تعرفونه جيداً ..

 لا داعي لأن أصفه لكم! ولا داعي لأن أخبركم أن المؤلفة الشهيرة للكتاب المذكور كانت أكثر منه تواضعاً ومنطقاً وأزيدكم .. لقد بحثت عني في "غوغل" وقرأت كتاباتي قبل أن تقابلني! هل شعرتم بالفرق؟

فلاش:

أطلق لسانك على سجيّته .. لتظهر ثقافتك على حقيقتها

 

سحر الزارعي

الأمين العام المساعد لجائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم للتصوير الضوئي