تدهشك النتيجة التي تتوصل إليها بعد البحث التاريخي عن صناعة الصورة في بنغلادش، والموثقة أنها انطلقت بين عامي (1913- 1914)، وذلك بإظهار عناصر الأخبار بميزات الفيلم القصير.

وأشارت الصحيفة البنغالية الأسبوعية "دكا براكاش" في عام 1898، أنه كان يطلق على أول سينما بنغالية "بيت الصورة" وموقعها في العاصمة دكا، لشركة "ذا برادفورد بيوسكوبي". وبحسب التاريخ فإن تأسيس صناعة السينما في بنغلادش كان عام 1956، سبقها حضور أفلام روائية بنغالية في أوائل 1919.

 الفيلم البنغالي الروائي الطويل "تلفزيون" للمخرج مصطفى سارورا فاروقي، والذي أنتج أخيراً، جعلنا نتطرق إلى تاريخ احتكاك البنغال مع الفن السابع، لما تضمنه الفيلم من طرح احترافي في صياغة الصورة الدرامية والتقنية الكوميدية على مستوى النص، بمناقشتها جدل المفاهيم الخاطئة لتعاليم الدين في حظر مشاهدة الصورة، في زمن الاتصالات والإعلام الجماهيري (فيسبوك).

صورة محظورة

ظهرت الكثير من المؤشرات في فيلم "تلفزيون" لامست الانفتاح الحالي، متضمنة حضوراً للتكنولوجيا ومفاهيم التواصل الاجتماعي، في منطقة ريفية تابعة لبنغلادش.

حيث يقوم فيها رئيس البلدية متعذراً بتعاليم الدين، وبحكم السلطة، مستغلاً جهل الأفراد وخضوعهم له، بتحريم أو حظر مشاهدة الصور بكل أشكالها، وخاصة عبر التلفزيون، لما يشكله حضور الصورة كما يؤمن رئيس البلدية، أو كما يحاول أن يؤصله في معتقد الناس مصدراً لزعزعة القيم والأخلاق.

الفيلم حمل بين تفاصيله فعل التشويق، ليس على مستوى الفكرة فقط، بل آلية صناعة الأحداث وتداولها، ومن بين تلك المشاهد، لقاء يجمع رئيس البلدية وقناة إخبارية تحقق في مناحي حظره فعل مشاهدة الصورة عبر التكنولوجيا، والملفت في المشهد أنه يتم تصوير اللقاء ورئيس البلدية يجلس خلف غطاء يمنع ظهوره في الصورة، إلى جانب مشهد آخر يظهر فيه ابن رئيس البلدية وهو يستخدم جميع أنواع التكنولوجيا دون علم أبيه للتحدث مع صديقته في القرية، عبر الهاتف الخلوي ثم الكمبيوتر، مستخدماً برامج التواصل والدردشات، وهنا تجسيد لمعاناة الشباب في مواجهة تحديات الفكر المناهض لاستثمار الانفتاح.

شغف إنساني

"تلفزيون".. ليس قصة ريف أو رئيس بلدية، وإنما بحث في معاني التعايش والتسامح، والدليل ما قدمه كاتب الفيلم للمشاهد، بتغير منحى سير الأحداث في الفيلم عبر اقتناء أحد سكان القرية جهاز التلفزيون، ويعد هذا الشخص من ديانة أخرى ليست الإسلام، مما جعل رئيس البلدية يجتمع بمستشاريه، ويعرض كيفية التخلص من هاجس حضور التلفزيون في القرية، والمفاجئ أن رئيس البلدية يقبل ببقاء التلفزيون، لأن صاحبها لا يطبق عليه التعاليم الإسلامية، كونه لا ينتمي إليها، ولكن ما يستوقف المشاهد في الأحداث المقبلة من الفيلم، رؤيته حماسة المسلمين في القرية لمشاهدة التلفزيون عن طريق اختلاسهم النظر بين نوافذ صاحب التلفزيون في القرية، الذي أصبح يقدم خدمات أخرى لأهل القرية كدروس خصوصية لأبنائهم، الذين يصرون على أهاليهم للتسجيل لديه، ليس لغرض الدراسة بل البحث عن متسع أكبر لمشاهدة التلفاز.

وهنا يبرز شغف الإنسان في عالم التقدم والتكنولوجيا، الذي تسبب حظره في عقود أخيرة في الكثير من مناطق العالم، بتأخر واضح لنماذج التقدم والتنمية البشرية.

أما العلاقة بين ابن رئيس البلدية وصديقته، فحملت ملامح تشخص الروح المعاصرة، لتكوينات العلاقات الإنسانية، وكيف تلعب التكنولوجيا دوراً في تأصيلها وترسيخها، إلى جانب المضاعفات التي قد تعتريها من ضعف وعدم التماسك، مبيناً الفيلم أن التكنولوجيا تظل تمارس فعل الجسر لتوطيد العلاقة بين الناس.

 

 

تاريخ سينمائي

 

 

 

هناك أرقام تثبت كم الإنتاجات السينمائية البنغالية التي أحدثت تجربة تراكمية، جديرة بمتابعتها وتحليلها ومناقشتها، فبالرجوع إلى عام 1898 تم إنشاء أول منظمة لإنتاج وعرض الأفلام في بنغلادش وهي شركة رويال بيوسكوبي.

أما في عام 1947 فقد شهدت بنغلادش نحو 80 دار عرض، جاء بعدها تأسيس جمعية مقاطعة البنغال الشرقية لمؤسسة تطوير أفلام باكستان الشرقية عام 1957، وكان أول فيلم من إنتاج المؤسسة بعنوان "أسيا" وهو عن حياة فتاة في قرية، من إخراج لوهانى الفاتح.

ويذكر أنه في أواخر الستينات كان معدل الإنتاج في بنغلادش ما يقارب 20 إلى 35 فيلماً ينتج سنوياً. وزاد الإنتاج السينمائي بعد استقلال بنغلادش في عام 1971 بشكل لافت.