ماذا كانت تريد المخرجة ليلى البياتي من كتابة قصة حقيقية عن الحب أو عن حبها إذا صح التعبير؟ ألتقينا بها بعد انتهاء مشاهدة فيلمها "برلين تلغرام" لنسألها لماذا اختارت برلين والقاهرة مواقع للتصوير. وهل مضمون الفيلم تعبير عن سينما وثائقية أم إعادة تأجيج لمشاعر امرأة تحطمت لمجرد أن قرر حبيبها تركها، لفتاة أخرى أو لعالم آخر أو يمكن لمنفى أخير. وما قصة تلك الموسيقى، وصوتها المليء بشجن الفراق المفاجئ، فقد كانت تغني نوتات وتكتبها وتدرب فرقة موسيقية على تنفيذها، هل أرادت أن يراها حبيبها عبر الفيلم، هل أرادت أن تؤكد مقولته وهو يتحدث: " انطلقي وسأراك يوماً قد نجحتِ ووقتها سأعاود لقاءك من جديد ". الجميل في عمل " برلين تلغرام" أنه يعيد جدلية الحديث عن التقارب بين الأفلام الوثائقية والروائية الطويلة، وحول ذلك أكدت ليلى أن الخيط بينهما رفيع، ولكنها سعت إلى صياغة حوار منسجم للحالة الإنسانية التي تصيب المرأة وأبعاد ردود فعلها أثناء مواجهتها مواقف تفتقد فيها للأمان والثقة واحتواء الآخر.
أسطورة
ليلى.. هذا الاسم التاريخي الذي ارتبط بالحب، دونما دراية منه بأنه سيصبح السمفونية الخالدة في تقاسيم الأساطير العربية، مروراً بحادثة قيس، وصولاً إلى السينما العربية. تبدأ المشاهد الأولى في فيلم "برلين تلغرام" بوقوف ليلى وهي تغني مع فرقة موسيقية، نراها وهي تبكي، نتعرف وقتها على مدى عمق الجرح، الذي لا يشفى إلا بالموسيقى لأنها الوحيدة القادرة على فعل الحب والعطاء، دونما إصابة القلوب بخدوش أو انكسار مقصود، وهي معلومة علمية حاول الكثير من الأطباء النفسيين الترويج لها إلى جانب الروائيين والكتاب، من ضمنهم الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي وهي تقدم نصائحها للنساء الوفيات في زمن النسيان، كما أوضحت عبر كتابها "نسيان . كوم"، أما فحوى النصيحة فكان عبارة عن أسماء لعازفين عالميين ومؤلفات موسيقية طلبت من القارئات سماعها تخفيفاً لوطأة انقطاع العلاقة بينهن وبين من أحببن، معلقةً على الموضوع بجملة مفادها:"احزني بحضارة". ووفقاً لذلك هل فعلا أرادت ليلى، أن تحزن بحضارة عبر تأليفها للموسيقى، وهل الحضارة تكفي لتضميد الجروح، وتلاشي شظايا الخيانة عن الذاكرة.
أوطان للحب
تولت ليلى كتابة نص الفيلم ومثلت الشخصية الرئيسية، إلى جانب أختها الحقيقية هناء، التي سعت جاهدة للشد من أزرها في تفاصيل قصة الفيلم، وإخراجها من حالة الإحباط والضمور النفسي، للبدء من جديد. وفي سياق الدور الذي قدمته هناء، بينت أن الفيلم يحمل طابعاً عالمياً، وذلك من خلال تعدد جنسيات الأصدقاء المشاركين في العمل، الذين لعبوا دوراً في التخفيف عن ليلى، محاولين إقناعها بأهمية الاستمرار نحو حياة مختلفة وجديدة، وهي بالطبع إشارة نحو البعد الإنساني لرسالة الفيلم وبأنه غير مرتبط بوضع معين أو بيئة معينة. تتقن هيفاء اللهجة المصرية، نتيجة استقرارها في القاهرة، حيث شكلت مصر مشاهد متعددة في الفيلم، والذي يجعل المشاهد لها يتساءل، ما الدور الذي يلعبه حضور دولة عربية بمكانة القاهرة في الفيلم، هل لأن بطلة الفيلم من أب عراقي وأم فرنسية، وأنه نتاج مكونات ثقافية لشخصية ليلى العربية.
