نعيش في عصرٍ تتفاعل فيه حاسة البصر لدينا مع مئات الصور اليومية التي نبني عليها أفكارنا ومعلوماتنا وربما بعض قراراتنا الحاسمة أيضاً، الصورة أصبحت جسماً أساسياً للمعرفة حيث تحمل لنا في طيّاتها عشرات المعلومات والتفاصيل.
للصورة مصدرٌ يحمل رسالة ما وبحسب خبرته وجودة أدائه يستطيع أن يلصق رسائله بألوان الصورة وزواياها لتصل كما أرادها للأطراف المتلقية. إذاً فالصورة حدثٌ مكتمل العناصر بحد ذاته وليس مجرّد ناقلٍ للرسائل التي أرادها منفّذ الصورة.
الصورة حدثٌ تتصاعد أهمية وجوده في حياتنا يوماً بعد يوم وهو كائنٌ له حقوقٌ كما عليه واجبات، تتمثّل واجبات هذا الكائن في تجسيد الحقيقة بكافة حيثياتها وتفاصيلها ومكوّناتها، أما حقوقه فهي منحه كامل الحرية بإيصال رسائله ومعانيه ومعلوماته لكافة المتلقين المعنيين بموضوع الرسائل.
هناكٌ صورٌ غيّرت مجرى التاريخ، وهناك صورٌ دفع أصحابها حياتهم ثمناً لرسالتها عدا عن أولئك الذين فقدوا بعض حواسهم فداءً لإحساسهم بأهمية الصورة وأولئك الذين ضحّوا ببعض أعضائهم في سبيل اكتمال جسد الحقيقة وألوانها الحقيقية.
لهذا فالنفوس المريضة التي تهوى الحياة في عفن الظلام وتهاب ضوء الشمس ترتعد أوصالها رعباً من حرية الصورة ومصداقيتها، خصوصاً مع وسائل الاتصال المتطوّرة التي أعلت شأن الصورة وانحنت إجلالاً لدورها العظيم، وقدّمت لها سرعة البرق في الوصول من مصدر الحدث إلى مئات الملايين من المتلقين في ثوانٍ معدودة.
كثيرون يخشون الحقيقة ويرفضون الشفافية وينزوون في أكناف الإنكار والانفصال عن الواقع. لذا هم يرفضون الصورة الحرة ويحاولون قمعها وحبسها وتشويهها والتقليل من أهمية دورها وربما كان لهم بعض ما أرادوا في أجيالٍ سابقة، لكن أبجدية العصر الحالي اختارت الصورة وكرّمتها بمنصبٍ يسبق حرف "أ" ويستمر حتى بعد حرف "ي". الصورة أصبحت مرآة لكافة وجوه الحقيقة ومعياراً لطبيعة الأحداث وسفيرةً لحضاراتٍ قديمة وحديثة أمام الأجيال الحالية والقادمة، لقد اعتنقت الصورة فلسفة الحرية وطارت في أفلاكها ولم تعد تكترث بحفنةٍ من الحمقى الذين ما زالوا يؤمنون بالتعتيم والتورية وإنكار ضوء النهار والتشكيك بزرقة البحر وبياض القمر.
الصورة علبةٌ حافظة للزمن والمشاعر المرتبطة به، وهي قطارٌ سريع يربط الأزمان ببعضها. أذكر موقفاً حصل لإحدى الصديقات عندما أضاعت صندوقاً يحوي صورها في مراحل الطفولة المختلفة تقول: عشتُ لحظاتٍ من الرعب والشعور بالاختناق، لقد شعرتُ أن أحد أطرافي بُترت.
فلاش:
أخبرني زوايا رؤيتك للصورة .. أخبرك من أنت
