يفكر التلفزيون الرسمي الفرنسي في إلغاء الإعلانات على المحطات العامّة بشكل تامٍّ. وهي بمثابة ثورة، فمن خلال تغيير النموذج الاقتصادي للتلفزيون الرسمي، ستتغيّر تماماً معطيات السياسة الثقافية للجهاز المرئي. هل هذا هو الإعلان الرسميّ وغير المتوقع من الرئيس الفرنسي فرنساوا هولاند، والذي يحمل فعلاً وعوداً في طيّاته كما قد يبدو للوهلة الأولى؟
لا بدّ أنها جمهوريّة غريبة جداً، تلك التي تعيشها فرنسا حالياً، لكي نرى يساراً يبشّر بقطّاعٍ عام مُشذَّب من المعايير التجاريّة الصرفة، وأن تسعى الرابطة الشيوعية الثورية "التروتسكيّة" لنجدة التمويل الإعلانيّ لمحطات التلفزيون بحجة اختناق مجموعة القنوات الرسمية مما قد يترتّب على إلغائها، وأن يمتعض أحد النواب الإشتراكيين قائلاً: "منذ متى أصبحت الإعلانات رديفةً لانعدامٍ في النوعيّة؟". ذلك ما أثار الدهشة عند إعلانه أخيراً، والمتمثل بإدراج "الثورة الثقافية" ضمن سياق "سياسة نشر الحضارة" التي يعتمدها، المُستعارَة من علم الاجتماع.
إنّ الإرتجال الواضح الذي اتّصف به الإعلان على ما يبدو، هو على صورة سلطة تتمحوّر جليّاً حول شخصٍ واحد. يبدو أنّ بعض المقرّبين فقط كانوا على علمٍ بالأمر. أيّ مدافعٍ عن القطاع العام لم يحلم يوماً بتلفزيونٍ متحرّر من الوصاية التجارية التي باتت تحدّد البرمجة التلفزيونية أكثر من البرامج نفسها؟ إذ في الواقع، تحصل قنوات فرانس تلفزيون على 30 في المئة من إيراداتها من الإعلانات، أي ما يقارب 830 مليون يورو، من أصل ميزانيّة عامة تصل إلى 2,8 مليار يورو. وإن كانت الإعلانات لا تمنع، بحدّ ذاتها، البرامج الثقافية على القنوات الخاضعة لقيود نسبة المشاهدة، كما يشهد على ذلك وجود برامج مؤجلة إلى ساعاتٍ متأخّرة من الليل، فإنّ جداول البرامج مخصّصة لجذب مشاهدين يثيرون اهتمام مشتري المساحات الإعلانية في ساعات الاستماع الكثيف.
إلاّ أنّ هؤلاء المشاهدين، بحكم السوق الذي ينتظم حول قناة TF1، يتمحورون حول "ربّات المنازل ما دون الخمسين"، والناشطين من فئة اجتماعية مهنيّة ميسورة أو العائلات المستهلِكة مع أولاد. بتعبيرٍ آخر، إنّ الارتهان للمساحات الإعلانيّة في التلفزيونات المخصّصة للجمهور العريض، يحثّ المسؤولين عن تلك القنوات على عدم الاكتراث للشرائح ذات المردود الاقتصادي الضئيل، كالعاطلين عن العمل والمسنّين والشباب البالغين دون مدخولٍ مالي، أو العائلات التي تعيش على الحدّ الأدنى للأجور. فالأمر يتخطّى السعي وراء عدد المشاهدين، للبحث عن جمهورٍ "مفيد" ليكون هو الأساسيّ لبلوغ الأهداف الإعلانيّة التي تحدّد التوازن الهشّ لميزانية تتّسم بركود الدخل المتحصّل من الضريبة المفروضة على استحواذ جهاز تلفاز. ويتمّ هذا الاجتذاب للجمهور على حساب تكوين البرامج، وبالتالي إنّه يؤدّي إلى إفقار الشاشة الصغيرة من فضاءات تعدديّة.
خدمات مقابل خدمات
تثير هذه المعادلة الاقتصادية أيضاً غياباً لأيّة مخاطرة في مجال الإبداع، برغم إبداء دو كارولي عن إشارات حسن نيّة، عبر تمويله مسلسلاً على مستوى عالٍ نوعيّاً مُقتبَس من قصص موباسان القصيرة أو عبر تقديمه سهرات من المسرح أو الأوبرا مرّة في الشهر. إنّ القنوات الرسمية الكبيرة، المُحاصَرة من قبل منافسة متزايدة من القنوات الخاصة التي تستفيد من وسائل تمويليّة إعلانيّة بشكلٍ شبه حصري، توجّهت نحو تقديم برامجٍ مُستنسَخة، تصنّع مقدّمي برامج والوصفات نفسها التي يعتمدها التلفزيون الخاصّ "باستثناء تلفزيون الواقع"، وذلك فقط بهدف دعم المنافسة في سوق المعلنين. هكذا كتبت الجامعيّة ناتالي سوناك: "على عكس ما هو مُفترض، مزيدٌ من المنافسة يؤدّي إلى انخفاض التنوّع في العرض. يمكن إذاً للتمويل الإعلاني أن يكون ذا تأثيرٍ على تنوّع المحتوى الإعلاميّ من خلال الحثّ أحياناً على إعادة إنتاج هذا المحتوى نفسه".
من مصلحة المسؤولين إذاً اليوم تأييد مبادرة "التوضيح" التي يقوم بها رئيس الجمهورية، حتى ولو كان قد طالب منذ بضعة أشهر، بمساحةٍ إعلانيّة جديدة مخصًّصة لتمويل "التحوّل في سياسة التحرير" لمجموعته. لكن هل يمكننا عزل خطابٍ أخلاقيّ - أو إعلان نوايا- عن الظروف التي يُطرح من خلالها؟ إذ قد أثار موقف رئيس الدولة الارتباك لدى المدافعين عن القطاع العام الذين يئسوا من إمكانيّة اليسار اغتنام الفرصة للقيام بإصلاحٍ يُعتبر من المحرّمات، ووفق ذهنية هولاند، القريب من الإعلام التلفزيوني الخاص، لا يُعتبر إجراءٌ كهذا فقط حذقاً، إنما منطقياً أيضاً. فذلك يسمح له أوّلاً بردّ الجميل للقناة الخاصّة الأولى في البلاد.
