ما إن تستمع لأغنيات العراقية نادين عامر، خاصة التراثية منها، حتى تشعر بلمسة شجن رقيقة تتسلل من بين كلماتها، والتي تبدو حاضرة بقوة في معظم ما قدمته نادين من اغنيات، وهي التي ذاقت أنين الغربة التي عاشت في أحضانها منذ سنوات بعد انتقالها للعيش في هولندا، التي وقفت على مسارحها لتغني التراث العراقي، ولتشارك عليها الغناء مع فرق هولندية عدة. المتابع لمسيرة نادين يجد أنها تربت أصلاً على صوت السيدة فيروز وعمالقة الأغنية العراقية الذين مثلوا جزءاً من واجباتها الصباحية بحسب ما قالت في حديثها مع (البيان)، مؤكدة أن حبها لفيروز دفعها لامتهان الموسيقى والغناء في سن مبكرة، مشيرة في الوقت ذاته إلى رغبتها في التعامل مع مختلف الثقافات الموسيقية بغية التعلم منها، منوها إلى أن تعاملها مع الأتراك قد أعادها إلى سنوات الطفولة.
شغف الطرب
للعراق مكانة خاصة في عالم الفنون الموسيقية، فمن أرضه انطلقت المقامات ومجموعة مغنين لازمت أغنياتهم مسامعنا جميعاً، ومن يستمع لنادين يلمس مدى شغفها لزمن الطرب الأصيل، فأخيراً قدمت مجموعة أغنيات جديدة أبرزها "متى تعودون" التي لحنها المغني حاتم العراقي، وجاءت من بعد ألبومها الأول "نادين ـ جلسة من التراث العراقي"، وعن ذلك قالت: "منذ الصغر تربيت على صوت فيروز وعمالقة الأغنية العراقية، الذين شكلوا جزءاً من طقوسها الصباحية، لدرجة أنها حفظت كما قالت أغنيات "جارة القمر" في سنوات عمرها الأولى، وتستطرد "قد ساعدني على ذلك هو أنني كنت أعيش في أجواء فنية تعتني بالتراث العراقي والعربي كثيراً، فضلاً عن أن عمل خالي سيروان يملكي في الموسيقى، ساهم في ترسيخ الكلمة واللحن الجميل في وجداني، وقد يكون ذلك سبباً في اهتمامي بمتابعة أغنيات الكبار التي امتازت بطعمها وإيقاعها الخاص، وبقدرتها على التحويل بين المقامات، ما أعطاني الفرصة لبناء صوتي على أسس قوية، وحتى الآن لا زلت متأثرة بهذا النمط عند اختياري لأغنياتي، وأحاول قدر الإمكان أن يكون فيها مقامات عدة لتساعدني على إبراز صوتي في مواضع مختلفة".
أنماط موسيقية
نادين لا تفضل الوقوف أو الالتزام عند لون عراقي معين، وإنما تحاول التقلب بينها، خاصة وأن لكل منطقة في العراق نمطها الموسيقي، وقالت: "لا أميل إلى لون معين بقدر ما أتطلع إلى الغناء بكل ألوان العراق الموسيقية، ولعل انحدار والدتي من شمال العراق ووالدي من بغداد قد سمح لي تذوق الاختلاف بين هذه الألوان التي تنطوي كل واحدة منها على نغمة معينة تختلف عن الألوان الأخرى تتناسب مع طبيعة البيئة التي تخرج منها". وتابعت: "الأمر بالنسبة لي لا يكاد يتوقف عند ألوان العراق الموسيقية، وإنما اتطلع أيضاً إلى التعرف على ثقافات موسيقية أخرى، بدأتها من اسطنبول حيث قمت بتسجيل أغنياتي فيها، وأنوي الانتقال في المرة المقبلة إلى لبنان، حتى أتلمس طبيعة الألحان والكلمات في كل بلد".
ذكريات اسطنبول
وبالحديث عن اسطنبول، فقد كانت هذه المدينة واحدة من محطات نادين التي تعاملت فيها مع فرقة المغني التركي المعروف ابراهيم تاتليسس، وعن ذلك قالت: "لقد أعادتني هذه التجربة إلى سنوات طفولتي، فنحن العراقيين تعودنا على الأغنية التركية خاصة الشعبية منها، وأعتقد أن زيارتي لإسطنبول فتحت مجالاً أمامي للتعرف عن قرب على طبيعة الفن والموسيقى التركية، وتلمس تأثيرها وقوتها".
غربة المهجر
بعد ارتحالها الى هولندا في 1994، قدمت نادين الأغنية العراقية على مسارحها عبر أمسيات عراقية الطابع، وعن ذلك قالت: "العراقيون في المهجر يحنون لهذا النوع من الطرب، ورغم مشاركاتي العديدة في أوروبا، أعتقد أن الأهم أن يكون الفنان مؤمناً بما يقدمه، وأن يكون صادقاً في مشاعره ليمس شعور المستمع دون استئذان". وتابعت: "استفدت من تعاملي مع الفرق الهولندية، واكتشفت من خلالها مدى الشغف الهولندي بالموسيقى، فهم شعب يحسن الاستماع".
