سحر الزارعي الأمين العام المساعد جائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي

كيف بدأت رحلتنا مع التفرقة ما بين الألوان؟ ما الذي كنّا نفهمه من تلك الرسومات؟

هل نذكر كيف كنّا في حصة "التربية الفنية" نحشو الورقة البيضاء بأكبر عددٍ من الألوان لدرجةٍ يئنّ منها بياض الورق؟

ماذا كانت مصادر فهمنا للأشياء والمعايير الجَمَالية المختلفة؟

البيت والمدرسة هما قطبا البث المؤثر الذي يبرمج عقولنا ومفاهيمنا عن كل ما يحيط بنا، وغالبية عناصر البث ثنائية الأطراف، فهناك خيرٌ وشر، جيدٌ وسيء، مفيدٌ وضار، جميل وقبيح .. دعونا نتوقف عند المعنيين الأخيرين .. كم مرة لامست آذاننا العبارات التربوية المتحدّثة عن الفارق بين الجميل والقبيح بمعزلٍ عن ربطهما بالمتضادات السابق ذكرها !

حسب متابعتي للأوساط المهتمة بالذوقيات الفنية فالتنشئة التقليدية ابتعدت بمسافاتٍ متفاوتة عن زرع المفهوم الخاص بالتفرقة بين الجميل والقبيح، وهذا بحدّ ذاته ضروريّ لكنه وإن حصل فهو غير كافٍ أبداً.

التنشئة المطلوبة يجب أن تحتوي على الحد الأدنى من الخوض في مفهوم الجَمَال بعمومه مروراً بمراحل عدة تهدف لتشكيل البنية التحتية للذوق الشخصي وحاسة التذوّق الفني التي تخاطب إحدى أهم المكوّنات الأساسية للإنسان ألا وهي الوجدان.

الإحساس بالجَمَال قيمة إنسانية عُليا تسهم في تهذيب النفس والروح وفي صيانة علاقة الإنسان بذاته ومكنوناته وطرقه في التفاعل مع مجتمعه والتعبير عن أبجديات فكره ومشاعره، كما أنه يساهم بشكلٍ كبيرٍ في تفريغ الطاقة الكامنة لدى الأطفال والمراهقين والشباب بمساراتٍ بنّاءة فاعلة متحضّرة ومُنتجةٍ أيضاً.

نحن بحاجةٍ إلى منظومةٍ متكاملة تُعنى بذوق الناشئة وتنمية الحس الفنيّ لديهم بدلاً من تركهم للطفيليات الضارة التي تقفز لهم من وسائل الاتصال الحديثة وهي للأسف تعرف جيداً كيف تجتذبهم وتشوّقهم وتسُوقهم إليها سوقاً. نحن بحاجةٍ لخلق الوعي الجَمَاليّ المؤثر الجذّاب الذي يزرع في الناشئة الإحساس بالقيم الرفيعة وتغذية مَلَكة الإبداع والابتكار والتنافس الذي يأتي لنا بمخرجاتٍ تصب في رقيّ المجتمع وخدمة الوطن.

كم أشعر بالانزعاج للعديد من السلوكيات التربوية المنتشرة في مجتمعنا والتي تتسبّب بتنشئة جيلٍ فاقدٍ للذوق السليم منزوع الشعور بتعدّد الأذواق وتنوّعها، جيل فاقدٍ للمقدرة على تذوّق المتعة الجمالية وفهم أبعادها والانخراط في تجاربها وتغذية روحه من معانيها وقيمها وصولاً لمرحلة للنضج الفنيّ الذي يتيح له إعادة إنتاجها.

هل أنا متشائمة ؟ أم واقعية ؟ أفيدوني ..

فلاش:

الإحساس بالجَمَال حضارة إنسانية راقية .. بدونها يعيش المجتمع برئةٍ واحدة !