«التفاصيل».. هي المعيار الأسمى في البحث عن قصة فيلمية لا تتجاوز 15 دقيقة ، يكمن نجاحها في محاكاتها الجزالة عرضاً ومضموناً.

ويأتي فيلم «موت بطيء» ، من تأليف وإخراج جمال سالم ، نموذجاً للبحث عن مجموعة قصص قصيرة ، تتوسد سطور محور فيلمه الروائي القصير ، مشكلةً معياراً يوازي مفهوم التفصيل السابق ذكره في العرض الإنساني للحكاية السينمائية.

سالم توقف في فيلمه عند جدلية الموت وعلاقتة بالجغرافيا والوجه الآخر للوطن ، وغموض العدالة في ترجيح الثقافة السائدة على الاحتياج الفطري للانتماء.

وفيها يقدم الممثل منصور الفيلي شخصية بشير ، الذي يعمل في حفر القبور أكثر من 30 عاماً ، متسائلاً بها عن سر انتمائه لتلك الأرض الملأى بالأموات ، مؤمناً بأنه وثق نبض هذه التربة بأرواح أهلها الطاهرة ، في سرده أن عمله في المقبرة يصنف على اعتبارات الخير لهذه الأرض ، منوهاً ، في صراع داخلي ، بماهية المردود لعطائه في حق اكتساب المواطنة.

وقد حاز «موت بطيء» على جائزة التحكيم الخاصة ، ضمن مهرجان مسقط السينمائي ، طارحاً معه أهمية البحث التحليلي لإنتاجاتنا السينمائية المحلية في ملتقيات ثقافية متخصصة ، وإعادة سياق عرضها طوال العام.

حالة استثنائية

هناك في الفيلم مشهد شكل حالة استثنائية ، تحسب للمخرج سالم ، وهو المنولوج الداخلي للممثل منصور وهو يرقد في القبر ، بالتقاطه للكاميرا من الأعلى ، ثم صورة قريبة داخل القبر ، ويمكننا القول إنه بالرغم من الظلمة المرتبطة بالمكان ، إلا أن هناك انسلاخاً وتجرداً كاملاً لشخصية بشير داخل القبر ، وهو يقول: «حبيت أشوف الموت كيف طعمه» ، لافتاً إلى أزلية العلاقة بين الموت وإعادة الحياة ، وكأن القبر هو رحم الأرض ، الذي يلجئ إليه بشير ، باحثاً عن مسألة اعتماد انتمائه لها.

ومن جهة أخرى ، وعند انتقال بشير خارج المقبرة إلى المدينة ، قلة تفاصيل المعاناة التي تم تكثيفها في المرحلة الأولى من صراع الشخصية ، ولم يعمد سالم إلى تقديم صور جزلة إلا عبر حالتين: رغبة بشير في عيش حياة جديدة لم تكلل بالنجاح ، من خلال تغيير ملابسه الخارجية التي لم يؤصل فيها الحراك الداخلي للشخصية ، وذهابه إلى الملهى الليلي ، إشارة إلى رد فعل اعتيادي لمعتقد التخبط في افتعال التغير ، أو الهروب إلى أوطان جديدة .

تتمثل في السلوك أو الفكرة أو الذاتية ، ليصل بشير في كلا الحالتين إلى قرار دفن نفسه بالمقبرة ذاتها ، التي كان يعمل بها ، معلناً بها عن إشكالية الهوية الإنسانية ، باعتبارها حالة عامة يمر بها الأفراد في العديد من المجتمعات في العالم ، غير مختصة فقط بالبلدان العربية ، والوافدين إليها من بلدان أخرى.

أطروحات منهجية

وحول الأبعاد وردود الفعل المختلفة لما طرحه الفيلم ، أشار الفيلي إلى أن الفهم الخاطئ لرسالة العمل حجبت العديد من الجوائز عنه ، أو حتى تناول قضيته بشكل محايد ، يضمن وضع معالجات وأطروحات منهجية لوضع المقيمين بصورة دائمة في البلدان ، سواء في مجتمعاتنا الخليجية أو العربية ، ومن تجاوزت مدة إقامتهم 30 إلى 50 سنة ، ويبقى السؤال المطروح في الفيلم .

كما أوضح الفيلي: ما انتماءات أولئك الأفراد بعد تعايشهم ضمن نسيج مجتمعاتنا ، في اعتبارات الفكر الإنساني ، ومتطلبات الهوية والمواطنة في كل بلد؟ ، لافتاً إلى أن كتابة المخرج جمال سالم للعمل السينمائي تحمل بعداً تراكمياً لبحثه المستمر في العمق ، والمعاناة الأسيرة في صدور أصحابها.

 

 

مناطق ألم

 

 

 

أكد الممثل منصور الفيلي ، حول مشاركته في الفيلم: «تجمعني مع سالم صداقة ، وأتفهم دائماً مناطق الألم التي يطرق إليها ، وعندما قدم لي نص موت بطيء لقراءته ، استوعبت أن شخصية بشير مكتوب لي كدور ، وسعيت جاهداً إلى تقمصها بشكل موضوعي ، والقضية في الفيلم ظاهر إنسانية عامة ، ولكننا في الإمارات معنيون بطرحها ، وإعادة البحث في مخرجاتها على المدى البعيد».

وأضاف: إن توقف عرض الفيلم على المهرجانات من دون تبنٍ كامل من قبل الجهات الثقافية ، بعمل ملتقيات وندوات نقاشية حول أطروحات الأعمال السينمائية الإماراتية ، يعرقل دورها الفني والثقافي ، ويجعلها تغرد خارج دورها المعني بالذائقة البصرية والمعالجة الجمالية للقضية الإنسانية.