الفيلم الوثائقي ، وجدلية الحديث عن مقدرته في رصد الحركات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في البلدان العربية ، وخاصةً ما تنتجه القنوات الإخبارية عن الأوضاع العربية ، ومنها أحداث الثورات الأخيرة في 2011 ، أو ما يسمى بـ «الربيع العربي» ، يشكل مشاهدة درامية جدلية ، لأنها إنتاجات تصنف عادة بتمثلها توجهات تتبناها القنوات الإخبارية ، إزاء خلق تعاطٍ يتفاعل مع الأزمات وتداعياتها في المنطقة ، ويُرى في أحيان أخرى أنها تخدم السياسة التحريرية للقناة الإخبارية المنتجة للفيلم. وبين قبولها ورفضها ، بمعايير مفهوم التوثيق ، استطلعت «البيان» آراء مختصين ، لإيضاح مصداقية هذه الصناعة وآثارها في تاريخ المنطقة ، ليؤكدوا إمكانية رؤية تلك المنتجات الفلمية ، كمصدر ومرجع للمعلومات ، يصعب تقييمها.
ويعد نموذج فيلم «ليلة الهروب من قرطاج» للمخرج مديح بلعيد ، من إنتاج قناة العربية الإخبارية ، نموذجاً حياً لما سبق ذكره ، وقامت «العربية» بتقديمه للجمهور ، بعد انتهاء موجة الثورة التونسية بمدة ، متناولة حيثيات خروج أو هروب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي من تونس. وحول أسلوب إنتاج الفيلم ، يلحظ المشاهد أنه اتسم بفعل درامي سرد الأحداث ، وطرح معه أسئلة حول موضوعية إنتاج القناة الإخبارية له.
مبادرة
عبر البحث في مقالات تخصصية كتبت في الموضوع ، توصلنا إلى مقالة بعنوان «الفرار من قرطاج» للكاتب إبراهيم حاج عبدي ، في جريدة الحياة اللبنانية. وقال عن التجربة: إن الفيلم «حدث درامي ، تمثل في اللحظات الحاسمة في تاريخ تونس ، التي أشعلت شرارة الربيع العربي ، مع التركيز على قصة (الهروب الكبير)» ، موضحاً أن المشاهد لم ينشغل بتقييم مستوى التمثيل ، قدر متابعته للحدث الذي استحوذ جل تركيزه ، وأنه على الرغم من الانتقاد الذي وجهه التونسيون لهذا العمل ، فهو يرى أنها مبادرة تسجل لمصلحة العربية ، وذلك أن الثورة التونسية لم تحظ بالاهتمام المطلوب من السينمائيين ، بعكس الثورة المصرية.
تجريد الموضوعية
«بمجرد اختيار الموضوع ، إذا نحن نخرج عن نطاق الموضوعية في الصناعة الوثائقية» ، هنا لفت السينمائي خالد البدور إلى أن اختيار موضوع لصناعة فيلم وثائقي ، يجرد الموضوع بشكل أو آخر من الموضوعية في تناوله. وذلك بسبب تداخل الآراء الفكرية أو السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية ، لصانع الفيلم الوثائقي. واعتبر أن الموضوعية تشكل حالة جدلية دائمة في الفيلم الوثائقي ، ولها مبحث طويل ، حتى في ما يخص الفيلم الوثائقي المتعلق بالطبيعية والعلوم المختلفة ، فقد يتم فيها تحوير عبر الإضاءة ، وطبيعة الكاميرا المستخدمة ، أحياناً وضعية الكاميرا والزاوية والزمنية ، تلعب دوراً في تضخيم مشهد أو التقليل من أهميته.
إبهام
يجب أن يحرص منتج الفيلم الوثائقي على الدقة والحرص ، وتقديم ما هو أقرب للحقيقة ، والواضح أن المشاهدين غير مدركين لحقيقة ما يحدث في الفيلم قبل عرضه ، هنا يشير البدور إلى طبيعة إنتاج الأعمال الوثائقية ، وهو ما أطلق علية عنصر (الإبهام) في التلفزيون والسينما. ويرى أن دخول عواطف المشاهدين في الفيلم إشكالية ، ويجب أن نستوعب ، قدر الإمكان ، ما يحدث أثناء التصوير وإنتاج العمل. وفي مسألة الدراما في الفيلم الوثائقي ، قال البدور إن إعادة تمثيل الواقع حالة مسموحة بها ، ومن أبرز الأمثلة عليها فيلم «الإسكندر الأكبر». وأوضح أنه يمكن رؤية الفيلم الوثائقي كمصدر ومرجع للمعلومات ، ولكن مع الانتباه إلى أنه قد يتعرض لتلاعب من قبل الجهات المشرفة عليه.
صوت النقد
«الأزمة هي لحظة حرجة لا تنفع معها الحركة الروتينية المعتادة ، وتتطلب سرعة في التصرف ، واتخاذ قرار سريع ، وذلك عبر بث المعلومة ، التي في غيابها تكثر التكهنات. وغياب المعلومة يوحي بأن هناك شيئاً سيتم إخفاؤه أو الخشية من الإعلان عنه ، وهذا بداية تصاعد الأزمنة وخروجها عن السيطرة». جاء ذلك في مقالة نشرت تحت عنوان «الإعلام بين إدارة الأزمات وصناعتها» للدكتور خالد الخاجة عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية في جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا ، والذي أطلعنا على أن تقييم صناعة الفيلم الوثائقي ، وجدلية توجيه الأزمات عبر الإعلام ، تعد مسألة صعبة ، في ظل انفتاح المجال أمام ضخ المعلومات وتوجيهها من قبل مختلف القنوات ، ما يجعل طرحها أيضاً مدعاة للنظر والبحث.
وأضاف متسائلاً: «من يحاسب القنوات الفضائية لإنتاجها هذه الأفلام ، إذا اكتشفت المغالطات؟» ، مؤكداً أن الحل يكمن في مسألة النقد المسموع ، لإثرائها وتصحيح مغالطاتها ، ويبقى تحدينا المستمر في كيفية حماية المتلقي من (اللوثة) الإعلامية.
فرار
يتناول فيلم «الهروب من قرطاج» ، التهديدات التي استهدفت الرئيس التونسي السابق ، وأجبرته على الفرار ، وذلك استناداً إلى وثائق سرية ومحاضر تحقيقات مع عدد من المسؤولين التونسيين. وتتكون سلسلة «الفرار من قرطاج» من 3 أجزاء ، شارك فيها أكثر من 30 ممثلاً.
