ما بين ثلاثية الطرب والشجن والشوق توزع الموسيقي العراقي صادق جعفر، في ألبومه "ليالي العود العربية"، الذي يعانق فيه العود عزف اوركسترا كاملة، ليأخذنا في رحلة موسيقية، تبدأ من العراق وتنتهي به، لنزور خلالها اسطنبول والقاهرة، ونستمع فيها إلى حكايات الشجن والسلام والأمل، حاول أن يقدمها لنا صادق في البومه الذي ما أن رأى النور حتى احتل صدارة قائمة أفضل 10 ألبومات في بورصة "فيرجن ميغاستورز".
صادق في حواره مع "البيان" قال ان تأخره في إصدار ألبومه الأول كان لانتظاره اكتمال نضوجه الفني، مؤكداً على أن الموسيقى العربية تعيش حالياً أسوأ أحوالها في ظل الهبوط المستمر الذي تعانيه الساحة الفنية، متمنياً رؤية اهتمام عربي عال في الموسيقى على غرار ما يحدث في تركيا.
حكاية صادق مع العود بدأت منذ نعومة أظفاره، حيث كان يتردد بشكل دائم على جاره صانع العود، والذي كان متأثراً بالفنان القدير فريد الأطرش، ليتعلم صادق من جاره الأحرف الأولى من حب الموسيقى والعود، ويتلقى منه أبجديات الموسيقى، التي صقلها فيما بعد بالدراسة في معهد الفنون الجميلة على يد الحاج معتز محمد صالح الذي يعتبره صادق بمثابة أبيه في الموسيقى.
وعن سبب اختياره للعود، قال: "اختياري لهذه الآلة ليس لعراقتها فقط وإنما لقدرتها على التأثير في النفس، ولذلك اعتبر أن حب الآلة دائماً يدعو إلى المثابرة والتعلم، وأعتقد أن العود يتميز عن غيره من آلات الموسيقى بمنح عازفه القدرة على التعبير والتحكم في النوتة الموسيقية والارتجال أحياناً بالاعتماد على تكنيكات مختلفة، وبالطبع هذا يعطينا مجالاً أوسع في الإبداع الموسيقي".
والعارف لسيرة صادق يجد أنه تأخر كثيراً في إصداره باكورة ألبوماته، والسبب بحسب ما قال إنه كان ينتظر اكتمال نضوجه الفني، حتى لا يقع في فخ التقليد، ولذلك فقد فضل في هذا الألبوم الخروج عن الطابع العام للعزف على العود من خلال إشراك اوركسترا كاملة معه لتقديم مقطوعات جميلة لا تشبه بعضها بعضاً.
أحضان بغداد
"بغداد"، "سوق الشورجه" و"ليال عربية" كلها عناوين لمقطوعات موسيقية تضمنها ألبوم صادق، عندما تستمع إليها تشعر بأنك تعيش في أحضان بغداد وتتجول في شوارعها، وتتنعم في لياليها، ومن خلالها تشعر أنه حاول التعبير عن شخصيته كعراقي، وعن ذلك قال: "بغداد" من أكثر المقطوعات التي أعتقد أنها تعبر عن شخصيتي وهويتي العراقية، فقد اخترت لها ايقاعا بغداديا صرفا، وقدمتها بطريقة عزف مختلفة عن بقية المقطوعات حتى تبدو مميزة، فهي تثير في قلبي الحنين إلى شوارع بغداد، الذي اكملته في مقطوعة "سوق الشورجة" الذي يعد من أقدم أسواق بغداد، حيث استوحيت من أجوائه جملا موسيقية جميلة".
ورغم الطابع العراقي الذي يهيمن على الألبوم، إلا أن صادق فضل أن يطعمه بنكهة تركية من خلال مقطوعة "اسطنبول" وأخرى مصرية الطابع والتي برزت في مقطوعة "عم ابراهيم".
بئر ماء
نجاح الألبوم في الأسواق وتحقيقه مبيعات عالية مثل مفاجأة لصادق الذي اكتشف من خلال ذلك، مدى حاجة الجمهور العربي إلى ألبومات موسيقية متخصصة، الأمر الذي بدا مبعثاً للتفاؤل ومشجعاً لتقديم ألبومات موسيقية جديدة، وقال: "اعتقد أنه يتوجب علينا كموسيقيين العمل على الارتقاء بذائقة الجمهور الموسيقية، من خلال تقديم ما يجري على أرض الواقع في شكل مقطوعات موسيقية باعثة للسلام والأمل ومقدمة للحب والحنين.
وذلك حتى نتمكن من إنقاذ الموسيقى العربية من الأوضاع السيئة التي تعيشها حالياً، وبتقديري أن ذلك لا يتأتى إلا من خلال تكاتف جهود الإعلام مع الموسيقيين لتأسيس جيل مثقف موسيقياً"، منوهاً إلى أن التراث العربي غني بروائع الموسيقى التي تمثل رصيداً مهماً لمحبي الموسيقى، وقال: "لدينا عمالقة في الموسيقى العربية الذين اجتهدوا في تقديم الموسيقى للجمهور، والذين اعتبرهم بمثابة بئر الماء الذي نشرب منه جميعاً".
زمان مختلف
يؤكد صادق جعفر أن الموسيقى العربية تطورت كثيراً مع مرور الوقت، وخلفت العديد من الأسماء اللامعة مثل الموسيقار المصري عمر خيرت والعراقي نصير شمه والأخوة جبران وغيرهم، والذين قدموا الكثير للموسيقى العربية وساهموا في نقلها الى مستويات أفضل، معتبراً أن لكل زمان موسيقاه الخاصة وهو ما يجعل زماننا الحالي يختلف تماماً عما كان سائداً في سنوات الستينيات والسبعينيات، ورد ذلك الى طبيعة التطور الذي نعيشه حالياً والذي انسحب أيضا على طرق العزف المختلفة.

