مع هطول أمطار ثورة 25 يناير محملة بآمال عريضة لكل فئات الشعب المصري، لم يكن أكثر الفنانين تشاؤماً يتوقع أن تستمر سلسلة "منع الأعمال الفنية" باسم الرقابة، والتضييق على الإبداع لدواعٍ سياسية، إلا أن ذلك ما حدث بالفعل في مرحلة من المفترض أن ينعم فيها الفن المصري الحرية وعدم التضييق على الفنانين والشعراء وغيرهم من المبدعين والأدباء.

ورغم أن فلسفة الإدارة المصرية المعلنة في مختلف المؤسسات بما فيها المؤسسة الفنية تتمركز حول فكرة جديدة، وهي أنه لا إقصاء ولا تهميش ولا منع لأحد، إلا أن عدداً من الأعمال الفنية قد كشفت عورة تلك الفلسفة التي لم تتحقق بصورة أو بأخرى، فتم منع عدد من الأعمال لدواعٍ وحسابات سياسية معلنة أو غير معلنة، مثل برنامج "قلة مندسة" للفنان الكوميدي "محمود عزب"، والذي قام بتصويره منذ نحو 10 أشهر، ويجسد فيه مجموعة من الشخصيات العامة، وينتقدها بشكل ساخر، ومعظمها من الشخصيات التي كان لها دور على الصعيد السياسي، وأبرزهم وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، ونائب الرئيس المصري الراحل عمر سليمان، ووزير الداخلية الأسبق، حبيب العادلي، والشيخ السلفي حازم صلاح أبو إسماعيل، وزوجة الرئيس المصري السابق، سوزان مبارك، والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية، الفريق أحمد شفيق، والرئيس الأميركي باراك أوباما.

وعن ذلك يقول مقدم البرنامج محمود عزب: كثفنا مجهودنا في تصوير البرنامج، وأنجزنا 30 حلقة في أقل من شهر، حتى يكون البرنامج جاهزاً للعرض خلال شهر رمضان الماضي، إلا أننا فوجئنا بعدم عرضه على القناة الفضائية التي اتفقنا معها في مصر، ولأسباب غير معروفة بالنسبة إلى فريق العمل لم يتم العرض.

وأكد عزب أن السبب الخفي وراء عدم العرض، هو أنه يتم تجسيد جملة من الشخصيات السياسية في البرنامج بشكل ساخر، ومنهم مجموعة من فلول النظام السابق، الذين خافوا من عرض تلك الحلقات، فتم منعها بسبب أن أنصار النظام السابق مازالوا يسيطرون على الساحة الإعلامية في مصر، على حد تعبيره.

ولم يكن "الفلول" وحدهم من قاموا بمنع أعمال فنية من العرض؛ لأنها تحمل إساءة لهم، أو تشكل خطراً على أجنداتهم، فالتلفزيون المصري، وهو المؤسسة الإعلامية الرسمية أيضاً قد قام بالمنع، عندما رفض "حتى الآن" عرض مسلسل الجماعة "الجزء الأول"، الذي يقص تاريخ الإخوان المسلمين.. في الوقت الذي رفض فيه وزير الإعلام الجديد صلاح عبدالمقصود "والشهير بانتمائه للإخوان المسلمين" عرض الجزء الثاني من المسلسل بالتلفزيون المصري.

الإعلام والسياسة

 

قال مؤلف المسلسل، السيناريست وحيد حامد، إن الوجه الإخواني (نسبة للإخوان المسلمين) للإعلام المصري الآن، وعقب الصعود السياسي لفصائل وقوى التيار الإسلامي، فإنه من الطبيعي أن يتم منع مثل تلك الأعمال التي تحمل نقداً ضد الإخوان المسلمين أو الإسلاميين أو تتناول حقائق عنهم لا يحبون إظهارها. ويأتي ذلك في الوقت الذي أكد فيه النقاد أن فكرة منع الأعمال الفنية تتعارض وحرية الإبداع وأنها تنذر بمستقبل ضبابي لحرية المبدعين في مصر بشكل عام، مؤكدين أن المحك الرئيسي للحريات هو الدستور المصري الجديد، والذي تعكف لجنة مكونة من 100 فرد (هي الجمعية التأسيسية للدستور) لصياغته.