إطلاق حكم صريح، بأن موسيقانا تعيش أسوأ حالتها، نتاج الوصايا التجارية البحتة، لإمبراطوريات شركات الإنتاج الغنائي، واقع، يتمثل في عدة مستويات فكرية وسلوكية وثقافية. وهي دعوة إلى البحث من جديد في مستوى الأغنية الخليجية الحالية، بعد تراكمية جمالية، أثرت الساحة العربية، على مدى قرون، بشهادة تاريخية.

والحديث عن الموسيقى يكون عادة، تجلياً للروح الانسانية، وصناعة حضارية، وأعني هنا قدرتها في جعل الإنسان، يعيش مع الجمال، ومستويات العطاء في ثقافة راقية لمعاني الحب والوطن والعلاقة مع الآخر أياً كان جنسه ولغته ودينه وحضارته، بشيء من التعايش والانفتاح.

وبين معادلة الربح والتجارة الفنية، وأزمة في تشكيل ذائقة استهلاكية، أكد التقرير العربي الرابع للتنمية الثقافية التابع لمؤسسة الفكر العربي: أنه نظراً لاستغناء دور الانتاج العربية عن المثقفين، واكتفائهم بالأصوات الغنائية والعازفين و"التقنين" عموماً، جعل للموسيقى العربية عائقاً في وجه تأسيس مدرسة فنية تستمد منها خصوصيتها.

وهذا ما يؤثر ليس في التلقي الفني، وتوسيع قاعدة المستمعين فقط، إنه يؤثر أيضاً على مستوى الانتاج الفني، الذي يبقى فريسة التذبذب والهزات المستمرة، نظراً لهشاشة الأرضية الفنية، وارتكازها للأهواء والأمزجة وكل ما يتعارض مع التأطير الفكري الذي يحمي الإبداع الفني من السطحية والارتجالية ويؤمن سيولته واستمراريته.

وباعتبار أن الأغنية الخليجية، جزء من النسيج الموسيقى العربي، فإنها تقع اليوم في قبضة الفجوة المعرفة بعلم موسيقى الشعوب، أو ما يسمى "المنهج الإثنوميوزيكولوجي " المعني بالسلم الموسيقي والإيقاع والآلات الموسيقية والوظيفة الاجتماعية والعقلية الذهنية الموسيقية.

الرأسمالية والإبداع

توقع ما هية معدلات الاستماع اليومي للغناء الخليجي، للفرد في مجتمعنا، عبر الضخ الإذاعي والتلفزيوني، وقس على ذلك، الدور الثقافي والاجتماعي لمفردات الأغنية، ومستويات تعاطيها مع الشرائح المختلفة للأفراد في مجتمعنا.

ونظراً في الوضع العام لثقافة المستمعين في الخليج بشكل عام، والإمارات على وجه الخصوص، فإن هناك سلوكيات عامة ظاهرة، تقدم قراءة عامة في التوجه السلبي، لمعطيات هذا الانتاج المستهلك والمكرر على مستوى المضمون واللحن والتوزيع.

في الامارات، يســـوق لمغنين محـــدودين، وإيقاع موسيقي، اعتدنا عليه، وذائقة تفتقد للتـــــنوع. ويجدر الذكر أن انسحاب العديد من المغنين والشعراء، وقلة بروز جيل إماراتي واعد بموسيقى ثرية، يعد دليلاً على الدور الانتاجي التجاري التوجيهي لموسيقى استهلاكــية معينة.

ويشار إلى أن دور الموسيقى كان في البداية هو الامتاع، من خلال حالة طربية، ومع موسيــقى الأفلام، وما نشاهده أيضاً في مسلسلات رمضان، تحول الهدف إلى إنجاح العرض الدرامي، وباكتساح "الفيديو كليب"، اختلفت المقاييس.

وأصبح نجاح الأغنية بين الجمهور هو الرواج الساحق في السوق، اعتبره تقرير التنـــمية الثقافية، انقلاب سلطة الإبداع إلى سلطة المال والرأسمالية، بمعنى آخر، انقلاب السلطة الفنية من سلطة المطرب أو سلطـــــة المبدع إلى هيمنة الفيديو كليب وسلطة شركات إنتاج الفيديو كليب.

تساؤل

لماذا كــــل هذا الهجوم على موسيقى الخليج؟ المعروف أن للموسيقى وظائف بيولوجية ونفسية واجتماعية.

لنستثمرها في ميزان تقييم ما يقدم من أعمال فنية في الوقت الحالي ومنها أولاً: الموسيقى تعبير عن الانفعالات والتنفيس عنها: إلى أي مدى يتم استغلال جانب التنفيس، في موسيقانا الخليجية، إذا كان أغلب المطروح، إعادة شحن لأفكار مشوهة عن طبيعة العلاقة بين الجنسين. وخاصة في تسطيح معاني الحب على سبيل المثال لا الحصر.

ثانياً: للموسيقى القدرة التعبيرية عن الأفكار وتجسيدها والاستماع الجمالي، أو ما يقصد به الخبرة الجمالية، فهل المستمع الخليجي يحصل على خبرة في موجة التكرار للمعاني.

 ثالثا: الموسيقى أداة ترفيه، ونطرح هنا ما هو مفهوم (ثقافة) الترفيه؟ وهل الأغاني الخليجية تستوعب هذا المعنى؟ رابعاً: الموسيقى وسيلة للتخاطب ونقل الانفعالات داخل مجتمع معين أو مجتمعات إنسانية أخرى، إلى أي مـــدى تحقق موسيقانا الخليجية بعداً إنسانياً في التخاطب الذي يتجاوز حدود الجغرافيا واللغة إلى قيم حضارية عالمية؟