قبلنا أن تفرض علينا القنوات الفضائية مسلسلات سطحية، وتحمّلنا الفيديو كليبات الغنائية الهابطة لأن ما باليد حيلة لإيقافها، وأجبرنا أنفسنا على متابعة برامج لا لون لها ولا طعم، حتى إننا حاولنا هضم مقدمي ومقدمات تلك البرامج علماً أنهم مفلسون فكرياً ومهنياً، ولكن أن تقوم تلك الفضائيات ببث إعلانات دعائية غنائية للمستلزمات النسائية، بأسلوب بذيء لا يراعي مشاعر المرأة العربية وحياءها لتحقيق أهدافها التجارية، فهذا في منتهى الافتقار إلى الأدب واللياقة، يكفي.. فقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى، "مصّخوها"، فمنذ متى كانت تشكل الفواصل الإعلانية مصدر قلق وتوتر وإرباك الأمهات وبناتهن، إذ تسرع إحداهن لتغيير القناة حفاظاً على ماء وجوههن في حضرة الذكور، والمصيبة أن الأطفال باتوا يرددونها ولا يدركون معانيها، والطامة الكبرى أنها أصبحت تلوث عقول المراهقين والشباب.

منافسة

عندما اشتدت المنافسة بين الشركات المتخصصة في المستلزمات النسائية، ظهرت إعلاناتها الخجولة بكثافة على شاشة التلفزيون وصفحات المجلات، ومع أن الأمر كان مزعجاً ومستهجناً بالنسبة للسيدات عامة، إلا أنهن تقبلنه، لأنه لم يكن يحمل هذا الكم من السماجة وثقل الدم، ولكن عندما حمي الوطيس بين تلك الشركات، ضربت عرض الحائط بخصوصية المرأة التي من المفترض أن تحافظ عليها تحت أي ظرف، واتجهت نحو إطلاق إعلانات غنائية لا ترتدي حتى ورقة توت على الأقل، بطلاتها معلمات يحرصن على ارتداء ملابس سوداء اللون، وطالبات مدارس يحملن حقائبهن المدرسية بطريقة مخجلة، وموظفات لا يجرؤن على ترك مقاعدهن، وأمهات غير قادرات على اللعب مع أبنائهن الصغار، وما يستفز المشاهدين حقاً هو تلك الأفلام الدعائية التي ترافقها، فمهما قلنا عنها وقحة إلا أننا لن نستطيع أن نوفيها حقها.

جريمة

التسويق والترويج لم يكونا يوماً هدفاً لتلك الشركات، وموافقة الفضائيات على عرض إعلاناتها الغنائية لكسب ملايين الدراهم، يعد «استعباطاً» وجريمة بشعة في حق المرأة بالدرجة الأولى والمراهقين والأطفال بالدرجة الثانية، إذ أصبحت الإناث مادة للسخرية والتعليقات السخيفة عندما تعرض تلك الدعايات، خاصة في المنزل، أما المراهقون فباتت تتبادر إلى أذهانهم أفكار غريبة وأسئلة تجعل الأم تحديداً في مأزق كبير، ومن يتصفح المنتديات ويقرأ التعليقات المكتوبة على موقع "يوتيوب"، سيلمس مدى تذمر السيدات من تلك الإعلانات، لأنها فتحت عقول أبنائهن الصغار على أمور من المفترض أن يدرسوها بشكل علمي في المدارس عندما ينضجون.

استهتار

إن أصبح الاستهتار بخصوصية النساء أمراً عادياً لدى تلك الشركات فمن المفترض أن يكون في غاية الأهمية لدى قنواتنا العربية، التي من واجبها أن تضخ لمشاهديها ما يتناسب وينسجم مع عاداتهم وتقاليدهم وطبيعة مجتمعاتهم المحافظة، فيكفي النساء ما يعانينه من الإحراج لدى مرورهن أمام أي محل للألبسة النسائية في المراكز التجارية.

الإذاعة المدرسية

 

ما يضحك ويبكي بالوقت نفسه، هو تحمس طفل لا يزال في السادسة من عمره لغناء تلك الدعاية عندما عرضت فجأة على إحدى القنوات أمام الضيوف، وتصفيقه الحار لها وترديده لاسم المنتج أكثر من مرة، وإصراره على غنائها حتى في الإذاعة المدرسية، ما اضطر إحدى المعلمات إلى أن تشرح له أن تصرّفه معيب وغير لائق، فقال لها الطالب ببراءة: "بس الأغنية بحطوها عالتلفزيون دايماً".