مع بداية الدورة الثانية من جائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي بدأ مهرجان انسكاب الألوان والصور والثقافات المتعددة بين المتناغم منها والمتناقض. بدأت المنافسة الفنية بين الرؤى الذهنية التي تلهب العدسات كي تلتقط ما يعبّر عنها.

من المصورين من يرى أن في الوجوه ضالته فيبحر في تقاسيمها ويتفنن في اختيار الزوايا لالتقاط التعابير المميزة المرسومة عليها، ومنهم من يملك قدرة هائلة على الصبر للظفر بصورٍ تلتقط مشاعر خاصة تبوح بها العيون ولغة الوجوه فائقة التعقيد. بعض هؤلاء يعتقدون أن "الوجه" هو "قلب الصورة" الذي يدفق الدم في زواياها ويحوّلها لتحفةٍ فنية بطلها ذلك الانطباع الخاص المُرسل من خلال الوجه في تلك اللحظة الخاصة من الثانية التي تم فيها "اصطياد الفكرة".

وفي مدارس أخرى يتوجسون من الوجوه لدرجة التحريم، هذه الرهبة تسلبهم التميّز في تصوير من حولهم وربما تجنّبوا إطالة النظر في تلك الوجوه لأسبابٍ غير محددة. قد تنطلق طاقاتهم باتجاه الشمس ودرجات ضوئها وانعكاسات الظل البديعة، وارتدادات الإشعاع المتموّجة في كل المدارات المحيطة بنا وصولاً إلى كل ما يمنحه الضوء بريقاً فريداً وهويةٍ لا تتكرر، أو باتجاه تضاريس الطبيعة المختلفة وتداخل مكوّناتها اللونية الغنية.

هناك من يرى أن هذا النوع من الصور جامدٌ بارد خالٍ من نبض الحياة، باهتٌ فنياً لا يصلح إلا ليكون لوحةٍ زهيدة الثمن تأخذ مكانها على جدران بيوت الطبقة المتوسطة من المجتمع.

هناك من يلاحق قطرات المياه خلال تحولاتها منسكبة على الأرض أو منتحرة على حدّ إحدى صخور الشاطئ، أو منفجرة من بالونٍ مائي ضاق ذرعاً بها مستنجداً بلمسةٍ رهيفة من إبرةٍ أطلقت جرس الانفجار. أو يجسّد في صوره مساحة نعرفها ونخافها جميعاً كالـ"عطش" على سبيل المثال.

لكن منتقدي هذه المدرسة يجدونها ضرباً من ضروب الفلسفة التي ترتكز على تضخيم فكرةٍ لا معنى لها غصباً وقهراً ليصبح لها وجودٌ فنيّ. كما أنهم يجرّدونها من المعنى الواجب على أيّ صورةٍ احترافيةٍ احتواؤه كي تلفت النظر وتخلق الانطباع المبهر برسائلها.

هناك من يتخصص في الغوص عميقاً في مفردات ثقافةٍ معينة ويهرول باحثاً عن كل قديمٍ مكتنزٍ بالقيم والمعاني التراثية العريقة ليقدّمه حسب ما تختار مخيّلته آخذاً في الحسبان خصوصية الصورة ومسؤوليتها في الحفاظ على الإرث وتخليده فنياً وتوضيح معناه باللغة غير المنطوقة.

هنا يعلو صوت البعض القائل إن هذا النوع أصبح مستهلكاً مكرراً لا جديد فيه ولا مساحات للتطوّر والإبداع، كما أنه يحبس الصورة في إطارٍ محدودٍ جامد، بينما يهرعون لفضاءاتٍ تمجّد الصعوبة والغرابة وتسلب الألوان من الصورة وتعود بها للماضي باللون الأبيض والأسود فقط لتضع الفنّان أمام اختبارٍ عسيرٍ لقدراته لإبراز جمالية المشهد والفكرة وأسر حواس المشاهد دون ألوان.

فلاش

كل صورةٍ تجبر المتلقي على الانبهار.. صورة فائزة