الرؤية التاريخية المختزلة في صناعة كرتونية، توجه مثير للانتباه دائماً، لما يحمل من بعد ثقافي ورافد فني وتراثي وطني، يسهم في الاقبال الجماهيري عليه، ويؤسس تنوعاً توثيقياً لماهية المضامين في الذاكرة المعاصرة. تذكرون على سبيل المثال المسلسل الكرتوني " فريج " للمخرج الإماراتي محمد سعيد حارب، الذي لامس هذا الجانب، بشيء من الجمال، بتقييم نجاح النسخة الأولى، التي لم تصل إلى السينما، واكتفت بالشاشة التلفزيونية. ومناسبة الحديث في مجريات الحدث التاريخي، وحضورها سينمائياً، ما أقدم عليه أخيراً المخرج بيبو بيرجيرون، من تقديم مختلف لسيرة مجد الرمانسية الفرنسية، في فيلم "وحش في باريس"، بإمضاء أحداث تزامنت مع فيضانات نهر السين الحاصلة في عام 1910، ساردة قصصاً إنسانية، نسجها هذا الامتداد المائي على بعد شمال فرنسا، معلناً العهد المتجدد لباريس، باعتبارها عاصمة الحب والعشق الخالدين.
أماكن باريسية
افتتاحية فيلم "وحش في باريس"، بدأت بنشرة أخبار فرنسية، تذيع وقائع الحدث المائي لتمرد نهر السين، وغرق باريس نتيجة الارتفاع العالي لمنسوب المياه، في عام 1910، وفور انتهاء النشرة، تظل حركة المشاهد للعرض السينمائي، تذهب باتجاه تلك التفاصيل النوعية للحياة الفرنسية في ذلك العهد. حيث تعددت أشكال العرض ومنها: النظام السكني لمدينة باريس، وحركة السيارات الشائع استخدامها في فرنسا، إلى جانب عربات الخيول. وتشهد أيضاً حضوراً لأول صحيفة فرنسية "لا كازتي دي باريس" كمصدر رئيسي للأخبار. واستثمر الفيلم 3 مواقع رئيسية، بحسب تتابع الأحداث، ومنها: مختبر لإجراء البحوث، لتعطيك بعداً استثنائياً للمكانة العلمية، وملهى ليلي، توصلك إلى معاني الموسيقى الفرنسية، والقصور الفرنسية، وبرج إيفيل حيث الحضارة العمرانية والفن الهندسي الباريسي.
رسالة سامية
مجريات الأحداث، تصل بالطفل المشاهد للفيلم إلى رسالة حب سامية، تنبع من قلب وحش، يجول في باريس. ويعتبر الوحش حشرة تم تضخيمها في مختبر عالم فرنسي، نتيجة عبث الشخصية راوول وهو مخترع مبدع، ورفيقه إميل، الذي يعمل عارضاً للأفلام ومصوراً، بالأدوات الموجود في المختبر، حيث دخلوه خلسة في غياب العالم في رحلة عمل. وقد شاع الذعر في شوارع باريس، نتيجة تجوال هذا الوحش. وفي ظل الخوف المنتشر في ربوع المدينة، يحدث اللقاء بين الوحش، ومغنية فرنسية في ليلة ماطرة، وتبدأ بينهما علاقة إنسانية، مليئة بالحب، عززها حضور الموسيقى. فقد كان الوحش يمتلك صوتاً جميلاً، وشاركها الغناء في حفلاتها، بعد أن ألبسته رداء يخفي هيئته الحقيقة. وهنا يبرز مخرج ومؤلف العمل بيبو بيرجيرون، معدلات الشكل وسطحيته، أمام أهمية المضمون والقيمة الداخلية للأشخاص، في بلد مثل باريس، التى آمنت بالفن في التعبير عن ذاتها. وتنهض الأحداث تصاعدياً نتيجة جشع قائد الشرطة، الذى يؤمن بأهمية إشعار الناس بالخوف، ليظل محافظاً على مركزه، ويسعى إلى قتل الوحش، ويكون هو المخلص، والبطل، ضماناً لبقائه في السلطة.
وحش السينما
ليس هي المرة الأولى، التي يظهر فيها مفهوم الوحش في أفلام الكرتون العالمية، فنموذج فيلم "الجميلة والوحش" للمخرجان جاري تروسديل وكيرك وايز. من إنتاج شركة والت ديزني في العام 1991، يعتبر الفيلم الكرتوني الأول الذي تجاوزت إيراداته المئة مليون دولار، بالإضافة إلى ترشحه لجائزة أوسكار لفئة أفضل فيلم رسوم متحركة. والذي دارت أحداثه أيضاً في فرنسا، خلال القرن الثامن عشر، عندما يتحول أحد الأمراء إلى وحش دميم على يد ساحرة أبى أن يستضيفها في قلعته، ولم تكتفي بتحويله، وإنما حولت كل عاملي القصر من الخدم إلى أدوات منزلية على أن يعودوا لحالتهم الطبيعية إذا ما تعلم الأمير كيف يحب وكيف يحّب، وعلى الجانب الأخرى فتاة أخرى تدعى بل، تأتي للقصر لتحرير والدها المحتجز، وتتعرف على جانب الخير للأمير الوحش، مما سيغير مجرى الأحداث برمتها.
