تبدو الدراما العربية لاهثة وراء جمهورها ، تسعى إلى تقديم ما يرضيه ويلبي ذائقته البصرية في حركة تبقي المسلسلات التلفزيونية العربية خلف الجمهور وعاجزة عن الأخذ بيده إلى آفاق من شأنها أن توسّع من مدركاته وتفكيره أو أن تحثه على الدخول في شراكة استراتيجية مع فنية التساؤل، التي يفترض أن يضطلع بنشر شعاعها أي عمل إبداعي إذا أريد له أن يندرج في هذا الإطار.

كما يبدو أن القائمين على عالم الدراما العربية قد اختاروا ترجيح كفة الصناعة على كفة الابداع في نتاجاتهم الفنية، فأوغلوا في اللغة البصرية وعمليات الاخراج والديكور والمشاهد الحركية على غرار ما يسمى ( الفنتازيا التاريخية) ونسوا أو تناسوا متعة الخطاب الفكري لتلك الأعمال، التي وإن تضمنت حكاية تاريخية، مثلا، إلا أنها تبقى حكاية معروفة في معظم الأحيان وأهم الأعمال.

"البيان" طرحت هذه الفكرة على عدد من جمهور الدراما العربية، فجاءت الآراء متوافقة إلى حد كبير، ولو أن جميع من أدلوا بدلوهم حول هذا الموضوع ،الذي يشغل الناس مع كل موسم درامي ارتبط ارتباطا وثيقا بشهر رمضان الكريم، فضلوا عدم ذكر أسمائهم كاملة واكتفوا بتذييل آرائهم بالأحرف الأولى.

يرى المتلقي ر. أ. الذي يتابع خلال الموسم الدرامي الرمضاني الحالي مسلسل ( عمر) في المقام الأول أن الدراما العربية لم تتمكن من الارتقاء بمستوى وعي المتلقي ولا ساهمت في نهوض ذائقة فنية التساؤل لديه، لماذا؟ السبب يكمن، برأيه ، في أن الغالبية العظمى من المادة الدرامية أصبحت مقولبة في ثلاثة خطوط أو حبكات رئيسية فقط، وهي، أولا، محاكاة قصص هذه الأعمال للماضي والتاريخ سواء في إطار مخرجات الحضارة الاسلامية أو غيرها، وثانيا، أن النمط الطاغي حاليا على كثير من المسلسلات العربية ولا سيما التي تعالج قضايا معاصرة منها يعمد إلى التركيز على الفتاة أو المرأة العربية التي تعيش حياة منفردة ومستقلة عن أسرتها ومجتمعها سواء في العمل او الجامعة أو حتى عندما تسافر، أما الخط الثالث، فيتعلق في أن هذه المسلسلات تعالج القضايا نفسها بشكل متكرر في كل موسم درامي.

الخواجة عبد القادر

يضاف إلى كل ذلك، من وجهة نظر ر. أ. أن هذه المسلسلات تتكئ على النجم في سعيها لجذب أوسع جمهور ممكن كما يحدث في مسلسل ( الخواجة عبد القادر) و( فرقة ناجي عطا الله) وحتى المسلسل الكوميدي ( أبوجانتي) بينما تخلو من مواضيع ذات قيمة اجتماعية مثلما تفتقر للمقولة الأخلاقية المطروحة في إطار درامي يستحق المشاهدة ويجعل العمل يستحق عناء عرضه على الشاشة، بحيث أصبح الجمهور لا يترقب جديدا في العمل الدرامي كلما تقدمت الأحداث وتصاعدت أرقام حلقات المسلسلات بعد أن بات قادرا على توقع ما سيشاهده سواء على مستوى الحكاية أو على مستوى العملية الاخراجية، ما يعني أن الأعمال الدرامية باتت مكررة وتفتقر إلى عنصر الادهاش والتجديد، الأمر الذي في مؤداه لا يحقق غرض توسيع مدارك جمهور المتلقين، الذي يسأل، على سبيل المثال، أين شخصية عمر في مسلسل(عمر)؟

خيبة أمل

متلق آخر هو ش. ن. قال:( أعتقد أن هناك برمجة حسب الطلب لهذه المسلسلات حيث لا يتم التخطيط لها برؤية عميقة قائمة على دراسة عميقة لتاريخينا الاسلامي والعربي)، موضحا أن الجمهور مهتم برؤية تاريخه على الشاشة، لكن ليس بالطريقة التي تقدمها المسلسلات ذات الطابع التجاري والاعلاني، ذلك أن التاريخ العربي والاسلامي فيه جوانب غير معروفة كثيرا وتستحق الإضاءة عليها من قبل القائمين على الدراما العربية.

وأعرب ش. ن. عن أسفه حيال أن هذه المسلسلات تنتج بمعزل عن مجهودات المفكرين العرب واجتهاداتهم في رؤية التاريخ، فضلا عن أن الساحة الدرامية العربية تفتقر إلى التنسيق بين المخرجين وكتاب السيناريو والمفكرين، ولو تم هذا التنسيق لظهرت هذه المسلسلات بشكل آخر، ومثال ذلك ما يحدث في مسلسل( عمر)، الذي على الرغم من حنكة مخرجه حاتم علي وكاتبه دكتور وليد سيف، إلا ( أننا لم نتعرف على عمر إلا في منتصف المسلسل، بينما أهم ما في شخصية هذا الخليفة هو فترة حكمه، التي شكلت الفترة العظيمة في مسيرته، بينما يركز العمل على بدايات ظهور الاسلام وكأننا نشهد نسخة عن فيلم الرسالة).

كل ذلك يشعر المتلقي بخيبة أمل حتى من مسلسلات تبدو مهمة مثل ( فرقة ناجي عطا الله)، الذي يرى ش. ن. أنه مصنع وأن المسلسلات الترفيهية الخاصة مثل ( واي فاي) أكثر قربا من الجمهور لما تتميز به من روح الفكاهة والسخرية وإثارة الضحك.

تجارة رابحة

 

يؤكد المتلقي س. أ. أن الدراما العربية لطالما دأبت على اللهاث وراء الجمهور، وأنها مجرد تجارة رابحة وتنافس تجاري صرف على حساب المعاني الحقيقية لها، حيث يتلقى المشاهد الاعلانات قبل المسلسل، فضلا عن أن هذه الدراما تعاني من موضة استنساخ الكثير من المسلسلات كل عام رغم أنها تتراجع على صعيد الأداء والمضمون بعد النسخة رقم واحد في كثير من الحالات إن لم يكن في جلها.