اختلفت مقاييس تناول قضايا الأعمال الدرامية التلفزيونية، بين إفرازات المضمون وموجات التقنية الجديدة، من خلال سعيها المتواصل لصناعة السمة البصرية الأكثر طلباً وهي "الإبهار". وعندما نتحدث عن الصورة، ومدى استيعاب الجمهور لها، لا بد من البحث عن مؤلف تلك الكوادر الحيّه، والسؤال عن إرهاصات إنتاج العمل التلفزيوني ومستقبله في الخليج.
وتأتيك الإجابة حولها، من أبرز المخرجين البحرينيين أحمد يعقوب المقلة: "صناعة الصورة الخليجية تبهرني، وأرى أننا لا نزال مقصرين في إظهار تفاصيلها، فهناك الكثير من الشوارع والحواري والزوايا الخليجية، التي لم تكتشفها الكاميرا بعد". المقلة يقدم حالياً مسلسل "حبر العيون" من بطولة الممثلة الكويتية القديرة حياة الفهد، إلى جانب تصريحه لـ"البيان" باستعداده لمشروع جديد، سيجمعه بالممثل الكويتي القدير سعد الفرج.
المخرج ليس المصباح السحري، لمعالجة إخفاقات أو إشكاليات أو تجاوزات الأعمال الدرامية، التي تشكل توازياً مع الشهر الفضيل، فاكهة المائدة الرمضانية، بحثاً ونقداً بين مؤيد ورافض. ولكنه يظل الجزء الحيوي والدينامو في تقدم العمل للمشاهد. وهذا ما اتفقنا بصدده ونحن نناقش المقلة، الذي يقدم هذا العام مسلسل "حبر العيون". وتنوعت الأسئلة معه بين البحث عن تقنية الصورة الجديدة، ومفهوم الإبداع والتقليد استغلالاً للنجاح. وبين ما يسمى بمفهوم الجرأة لدى الكاتب الخليجي، ومشروع استقلال المنتج، والبيئة البحرينية التي يتوسد مخرجوها المشهد الأخير للأعمال الدرامية، واعتبارات الفنيين في العمل الفني وما بعد التجربة التراكمية للمخرج.
منافذ التغير
في عناوين الكاميرات الجديدة ومشهد تقنية (5D)، التي أسميتها منافذ للتغير، كيف تصف مشهد الوضع الدرامي في الخليج؟
فعلاً كلمة التقنية اليوم، تؤكد لنا مسألة البحث عن بدائل. في الحقيقة، المشاهدون يشعرون بالممل بشكل سريع، لذلك لجوء مختلف المخرجين للبحث عن تفاصيل جديدة، ومنها: تقنية كاميرا (5D)، من باب إحداث تغير، ويعتبر أحد المنافذ. ويقابله في الوجه الآخر، عدم اهتمام بالمضمون والمواضيع المطروحة. وأعتقد أنكم لا تحتاجون لأن أذكر أسماء قضايانا التي اقتصرتها الأعمال الدرامية في الطلاق والحب والزواج والميراث. ومن جهة أخرى، فإني أرى أننا كمخرجين خليجيين لانزال لم نظهر جماليات تفاصيلنا المكانية والزمانية، التي تعد مسؤوليتنا الأولى بالدرجة الأولى.
الإبداع المقلد
مقياس النجاح واستثماره، صنع حالة من التقليد في طبيعة المسلسلات المعروضة، وهو نتاج طلب خاص من مديري القنوات الفضائية، في التوجه نحو إنتاج ما ينجح منها. وعلى سبيل المثال، ظهور نموذج مسلسلات تحاكي فترة الثمانينات، وانتشار فكرة عنونة المسلسلات بأسماء أغاني عريقة. بين المعيار والمقياس، كيف تقيمون الإبداع المقلد؟
مشكلة القنوات الفضائية، أنها تجعل من عدد المشاهدين وإقبالهم، مقياسا لنجاح العمل، ما يجعلها تكلف شركات الإنتاج، بتنفيذ أجزاء متسلسلة للعمل. وواقعياً يجب النظر للعمل الإبداعي بأبعاد مختلفة، ولا تقتصر على عدد المشاهدات. وفي هذا الصدد، أتذكر أحد الأعمال التي أخرجتها "سعدون"، الذي لا يزال الناس يطالبونني بجزء ثان له، والمجال فيها مفتوح. ولكنني أظل مؤمناً بواقع الطرح بشكل أكبر. وأنا شخصياً أميل لتقديم أعمال تفرز عهد الثمانينات، كونها مرحلة خصبة وثرية، ولكنني ضد مبدأ استثمار نجاحات الآخرين، بل الاعتماد على البحث المتجدد، وعزف سيمفونية "التنوع".
جرأة خاطئة
مفهوم الجرأة في كتابة السيناريو في العمل الخليجي، وأوجه البيئة البحرينية، التي يقود معظمهم مشهد الإخراج في الخليج، وموقفك تجاه طلبات المنتجين، ومسألة الأجور، بين القناعات والمهنية ما رأيك في تلك المحاور؟
عندما نجتمع لمشاهدة مسلسل جريء، إذا نحن أمام إسفاف وإظهار للمرأة الخليجية بشكل غير لائق، عند هذه الحدود توقف تناول مفهوم الجرأة لدينا، بعد أن كانت تعنى بانتقاد المجتمع، ووضع اليد على الجرح، من خلال أمور مصيرية تمر فيها مجتمعاتنا. وهنا يعرجنا إلى الحديث عن فكرة صناعة المشهد، فهناك من يظن أيضاً، أن إفراز تفاصيل العنف والاعتداء أو طريقة استخدام المخدرات، هي عرض للواقع، وأنا أرى إبرازها عملية توجيهية، لتأزيم القضايا وتأجيجها. في العمل الإبداعي تملك ألف طريقة وطريقة للإيحاء دون السرد التفصيلي لها.
أما بالنسبة للبيئة البحرينية وتصدر معظم مخرجيها للأعمال في الخليج، ظاهرة طبيعة للتنوع الذي تمتاز به البحرين على مستوى البيئة من أوجه معاصرة، وبيئات قديمة إضافة إلى البحر، ما مثلت ديكوراً طبيعياً لمواقع التصوير، وأسست ذاكره مليئة بالصور للمبدعين البحرينيين. وفي سياق طلبات المنتجين، فإني اختزلها بعبارة: "أنا أعمل ضمن قناعاتي، ولا يعني ذلك أنني ديكتاتور، بل مقتنع بمبدأ التشاور، وإسقاطات بعض المنتجين في لعبة السوق الدرامي، أملك القرار في رفضها، ولست معنيا بها". الأقل أجراً
قال المخرج البحريني أحمد يعقوب المقلة، حول إذا ما كان المخرجون الخليجيون الأقل أجراً بالنظر للوطن العربي: إن الأرقام متفاوتة، ولكن تظل هناك جهود جبارة، تحمل الجزء الحيوي من العمل، لا تزال تصارع نفسها في مسألة الأجور وهم الفنيون، والذي يعتبرون الأقل أجراً، ولا يقيم العمل من دونهم، ومراجعة التعاطي المادي في ما يقدمونه أمر مهم ومسؤولية تقع على الجهة الإنتاجية.

