قد تكون الأزمة الاقتصادية العالمية والتي تأثر الخليج برياحها من أقل الأحداث التي تطرقت إليها الدراما العربية والخليجية عموماً، فمنذ وقوعها وحتى الآن، لم يسبق أن سجلت الدراما العربية أي حضور حقيقي في معالجتها، عكس العالم الغربي الذي عالجها سينمائياً من خلال مجموعة من الأفلام.

المتابع لإنتاج الدراما المحلية لهذا الموسم، يجد أنها كانت سباقة في نقش ذاكرة الأزمة الاقتصادية وتداعياتها من خلال مسلسل "اليحموم"، الذي تبثه قناة سما دبي ويشارك فيه مجموعة من نجوم الفن الإماراتي والخليجي، حيث بدا المسلسل إماراتي الطابع بهوية خليجية.

أحداث المسلسل تدور حول شخصية سعيد والتي يجسدها أحمد الجسمي وهو رجل يعمل داخل شركة تتعرض للإفلاس إثر الأزمة المالية العالمية، حيث يجد الرجل نفسه في موقف صعب للغاية، خاصة وأنه مدان لأبناء عمومته الذين يقطنون بقرية نائية، ويطالبونه برد الأموال التي اقترضها منهم من قبل لاستثمارها لهم، حيث وعدهم بأرباح خيالية، وأثناء سفره إلى أقاربه يتعرض سعيد لحادث سير يفقده ذاكرته.

لتضيع بذلك فرصة أقاربه في الحصول على أموالهم، رغم أنه كان عائداً إلى قريته بحقيبة تحتوي على أكثر من 3 ملايين درهم، إلا أن الحقيبة تختفي بعد وقوع الحادث مباشرة، لتتوالى بعدها مجموعة من الأحداث التي تكتنف بعضها الغموض وتكشف عن وجوة جديدة في العمل.

ورغم أنها قد تكون المرة الأولى التي تناقش فيها الدراما الخليجية والمحلية الأزمة الاقتصادية، لا يمكن لنا أن ننكر مدى براعة كاتب المسلسل البحريني عيسى الحمر الذي يبدو أنه استوطن الدراما الإماراتية، في تحليله لأبعاد الأزمة وتأثيراتها على منطقة الخليج تحديداً، حيث نجد أنه يذهب بنا في هذا المسلسل بعيداً من خلال تصوير تأثيرها في الأفراد أنفسهم، وكيف أدت إلى قلب حياتهم وواقعهم، وهذا كان واضحاً في طبيعة شخصية حسين الجسمي الذي تأثر كثيراً بالأزمة مادياً ونفسياً على حد سواء.

اختلاف بيئي ومجتمعي

في المقابل، نجح الحمر في عكس الاختلاف البيئي والمجتمعي الموجود في منطقة الخليج، وكيف أدت هذه الأزمة إلى تعرية النفس البشرية وأثرت على طبيعة التشكيل والنسيج المجتمعي، من خلال عودة سعيد إلى أصله رغم فقدانه لذاكرته.

فضلاً عن تقديمه لصورة شاملة عن بيئة الطبقة الغنية التي تعيش في المنطقة من خلال الفلل والسيارات وطبيعة الأماكن التي تعيش فيها، لينقلنا بعد ذلك مباشرة إلى بيئة البسطاء الذين ورغم تأثرهم بالأزمة المالية إلا أن نظرتهم إلى الحياة بدت مختلفة تماماً، وبقي الخير فيهم، ولعل هذا يتمثل في العديد من المشاهد التي صورت في بيت الجد "حارث" (الممثل إبراهيم الصلال).

بشكل عام، يمكن القول إن الكاتب عيسى الحمر بالتعاون مع أحمد الجسمي كمنتج، ومصطفى رشيد كمخرج والذي استطاع ان يحرك كاميرته ببراعة في هذا العمل، استطاع أن يذهب بنا وبالدراما المحلية إلى مناطق أقرب إلى الواقع، ليستلهم قصصه من هدوء الأحياء الشعبية، ومن ايقاع الحياة في المدن الخليجية، خصوصا مدينة دبي التي تعج بالحياة والعمل.

فاقد الذاكرة

رغم أن شخصية فاقد الذاكرة ليست جديدة في الدراما المحلية وحتى العربية، الا أنه يمكن القول إن الجسمي قد نجح في تجسيدها بطريقة جميلة قادرة على أن تشكل نقلة نوعية في الدراما المحلية، خاصة وأن مثل هذه الأدوار عادة يكتنفها الغموض ولديها القدرة على أن تشغل بقية شخصيات العمل وحتى الجمهور نفسه. إلى جانب الشخصيات الأخرى التي قدمها كل من الممثل إبراهيم الصلال وحبيب غلوم ومرعي الحليان، والتي بدت فيها جدية عالية واتقان كبير في الأداء.