بعد قضاء بعض الوقت في بلدة لوكارنو السويسرية، الواقعة شمال جبال الألب، يأخذك المكان الذي تجري فيه فعاليات الدورة 65 لمهرجان لوكارنو السينمائي إلى عوالم ساحرة، تتداخل فيها عروض الأفلام على شاشة عملاقة نصبت في نهاية الجادة الرئيسية بالبلدة.

بحيث تظهر جبال الألب كخلفية طبيعية لها بينما تملأ حشود المشاهدين القادمين من جميع أنحاء العالم، والذين يقدر عددهم بخمسين ألفاً الجادة من أولها إلى آخرها بطريقة يصعب معها تبيان ما إذا كان ذلك المشهد قد أريد له أن يكون كذلك، أم أن الأمر يتعلق بالصدفة الطبيعية الصرفة. النمر الأسود والأصفر الزاهي، الذي يتشكل منه شعار المهرجان، يكتسح لوكارنو كلها، البيوت والجدران والملابس وواجهات المتاجر كل ذلك يرسم صورة النمر ويمزجها مع طبيعة تلك الجبال بطريقة ساحرة.

احتفاء سينمائي

منذ بداية أغسطس الجاري والمهرجان يحتفي بنتاجات الفن السابع في ظل حرارة مرتفعة نسبياً تلطفها الغابات والأحراج والبحيرة المحيطة بالبلدة العريقة، التي جذبت إليها كل سنة بين سياح وفنانين وتقنيين جاؤوا إلى هذه البلدة التي يتحدث سكانها اللغة الإيطالية والمكلفة جداً، لكن لا يمكن للزائر نسيان أنه في سويسرا، فكل شيء يحدث بطريقة حضارية لافتة للانتباه.

لمحة تاريخية

رأى مهرجان لوكارنو السينمائي النور عام 1964، وذلك في السنة نفسها التي كانت مهرجان أخرى مثل البندقية تعقد دوراتها المتعاقبة بعدما أجبرت على التوقف في ظل الحرب العالمية الثانية. ولادته جاءت ثمرة حالة فشل، حين رفض سكان بلدة مجاورة إسمها لوغانو من خلال التصويت الشعبي بناء مسرح في الهواء الطلق للمهرجان، الذي وجد القيمون عليه أنفسهم مجبرين على الانتقال إلى هذه البلدة التي لا يتجاوز عدد سكانها 15 ألف نسمة والواقعة على حافة بحيرة ماجيور.

خلال السنوات الأولى، كانت فعالياته تجري في قارب شراعي، الذي يعد أحد معالم المنطقة، وفي عام 1968، اتخذ المهرجان مقره الجديد الذي لم يتغير طوال تلك السنوات، وتمكن من أن يبني لنفسه سمعة طيبة على المستوى العالمي، مع أن لا أحد يستطيع أن يوضح السبب الذي يجعل من هذا المهرجان الصغير يضاهي كبريات المهرجانات السينمائية الأوروبية، خاصة وأن بعض النقاد يرونه محفوفاً بالمخاطر، بينما يراه آخرون الأكثر بعداً عن الجمهور العريض.

لكن ثمة أمر واضح للعيان يتمثل في أن لا أحد يأتي إلى هنا بحثاً عن سحر مهرجان كان أو الأسماء الكبيرة في مهرجان برلين.

هذه السنة يستحوذ مهرجان لوكارنو على الأنظار، لأنه ولأول مرة يشرف عليه ويديره المدير الفني والصحافي الفرنسي المحنك أوليفر بيري (39 عاماً)، الذي اكتسب خبرات أثناء إدارته لمهرجان كان الغني عن التعريف.

صرح سينمائي

قدم بيري لمهرجان لوكارنو علاقاته ومعارفه ورغبته في المضي قدماً بهذا الصرح السينمائي، الذي يصفه بأنه (بيزنس) ويقول: (لوكارنو مهرجان تتم فيه الاكتشافات، لكنه مكان لعقد الصفقات أيضاً، وفي الوجهة التي نريد الذهاب إليها)، يقول ذلك في مكتبه، الفارغ والبسيط.

وقد أتى بيري إلى هذه الدورة من المهرجان حاملاً معه رغبة أخرى تتمثل في تكريم أحد مخرجيه المفضلين، أستاذ الكوميديا إرنست لوبيتسش، الذي خصص له وقفة استراجعية لأعماله الكاملة. ومن بين التحف السينمائية الأخرى عرضت أجزاء من فيلم (الشعلة)، 1922، وهو الفيلم الأخير الذي صوره المخرج في ألمانيا.

نقاط مشتركة

لا نقاط مشتركة بين الـ 18 فيلماً، التي وقع اختيار بيري عليها للمشاركة في هذه المنافسة العالمية، حيث يوضح المدير الفني للمهرجان الذي كلف المخرج إريك خوو (سنغافورة) برئاسة لجنة التحكيم، أنها (أفلام متباينة للغاية، ومن فئات وأنماط مختلفة، لكن جميعها يتمتع بالموهبة والرؤية الشخصية).

ومن بين العروض ثمة الكثير من الأفلام المثيرة للجدل مثل الفيلم الصادم (إل. جيه. زامبي) لبروس لابروس، الذي يحكي قصة أشخاص مثليين والأموات فيه ينثرون الغبار، أو الفيلم الصريح (رجل في الحمام)، الذي يتشاطر مع الفيلم السابق بطله الممثل فرانكوس ساغات.

ومن الصين، جاء فيلم وثائقي وحيد تحت عنوان (كاراماي) والذي يمتد لست ساعات وينطلق من حدث رهيب، الحريق الذي نشب عام 1994 بمسرح ومات فيه 288 طفلاً، حيث تم إخلاء الموظفين الذين كانوا بين الجمهور قبل الصغار.

فيلمان من أكثر الأفلام التي راقت للجمهور، أحدها (بيلي بيلي سفيت) للصربي أليغ نوفكوفيتش، والآخر (ما وراء السهوب) للبلجيكية فانجا دي ألكانتارا، المستوحى من قصة جدتها، التي أبعدت مع طفلها من بولونيا إلى صربيا عام 1940، بينما شاركت إسبانيا بفيلم طويل وحيد قصته مستوحاة كذلك من قصة جد المخرج دانييل فياميديانا ويحمل إسم (الحياة السامية) والذي بلغت تكلفته 90 ألف يورو ويروي رحلة الجد إلى قادش.

وعلى هامش قسمي مسابقة المهرجان، فإن ما يحول لوكارنو إلى مهرجان سينمائي فريد في العالم هي عروضه في (بيازا غراندي)، المتوجة بشاشة عملاقة (26 متراً- 14 متراً).

أضخم شاشة

وربما كانت أكبر شاشة في العالم، لكن من المؤكد أنه من أجمل المواقع لمشاهدة فيلم، حيث تحيط به الجبال والبيوت الملونة والنجوم. إنها بمثابة سينما صيفية في مشهد رعوي بتقنيات صوتية رفيعة، ومساحة تتسع لثمانية آلاف متفرج، تمكنوا من التمتع ليس بأفلام ملتزمة فقط، وإنما كذلك بأفلام تجارية مثل فيلم (في عمق الغابة) لبونيت جاكووت أو الفيلم الكوميدي المر (سيروس) للأخوين دوبلاس أو بعروض جون سي. ريلي، الذي يعد أحد الوجوه المعروفة في هذه الدورة.

المهرجان، الذي يسدل ستارته السبت المقبل، قد تخطى عتبة النجاح، والخبر الجيد هو أن الأمطار لم تحل حتى اللحظة دون عرض أي فيلم في (بيازا غراندي)، أما السيئ، فهو أن أياً من الأفلام قد تمكن من الدنو من التصفيق الذي حصده عام 2006 فيلم (حياة الآخرون)، للفتاة التي تظهر لأول مرة في الاحتفالات الاجتماعية فلوريان هينيكل فون دونيسمارك.

تكريم

 

منح مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي في سويسرا المخرج والمنتج الصيني جوني تو جائزة شرفية أمس، ويعتبر جوني تو (57 عاماً) من أبرز صناع السينما في هونغ كونغ، حيث حاز شهرة عالمية بأفلامه الحركية عن المافيا الصينية.

كما أنتج جوني تو أعمالاً شارك فيها نجوم سينمائيون من أنحاء العالم. وقال جوني تو خلال مراسم تسلمه الجائزة في المهرجان: "الأفلام فرصة جيدة لاستكشاف حاضرنا، كما أنها تستطيع التقريب بين الثقافات المختلفة من خلال التعاون على المستوى الدولي".

المشاركة العربية

 

جاءت المشاركة العربية في الدورة الـ65 لمهرجان لوكارنو السينمائي متواضعة، وشهدت عرض فيلم من إنتاج فلسطيني لبناني مشترك بعنوان (ربما)، وآخر من الأردن بعنوان (حمى عائلية)، ومن مصر (حفلة بالتوازي)، ومن موريتانيا (شمس)، كما شاركت أفغانستان بفيلم (بعيداً عن أفغانستان) للمخرج زياد دارات.