منذ بدأت ألوان الفن التشكيليّ تحاصرني ,وبريق الصور المشعّ يصادق ضوء عيوني, وحاسة الملاحظة والربط لم تفتأ تعمل بشكلٍ فطريّ منظّم رصداً وتمحيصاً وسرداً لمحاور فنّ الصورة العربية. فالإبداع ابنٌ شرعيّ في وطننا العربي الكبير ومدرسةٌ عريقة ضاربة جذورها في القدم والأصالة ولكن عند دخولها حدود الحداثة الفنية أجد أن الإبداع يتوجّه في أغلب مكنوناته باتجاه الخارج البعيد.

والصورة سفيرةٌ لليد التي تمسك بالكاميرا، والعقلية التي تصوغ الزوايا، والمخيّلة التي تختزل عشرات الحواس الخاصة.

فالثقافة الفكرية التي تجمع كل ما سبق هي مزيجٍ جماليّ أنيق وآسر له أبعادٌ ومعانٍ تغذّي الروح والوجدان والذائقة الحسّية. أما عدسة الكاميرا مع كل إمكانياتها المتطوّرة هي مجرّدُ أداةٍ يسهلُ تشغيلها واستخراج عشراتِ الصورِ منها في الثانية الواحدة.

نحن بحاجةٍ لثورة فنيةٍ نحو الدواخل الفنية العميقة فينا، فالداخل المحليّ ثريّ فنياً وفكرياً وثقافياً أكثر مما نتصوّر. الداخل مخزونٌ حضاريّ لم تمنحه عدساتُ الكاميرات حقه بعد ! علامة استفهامٍ كبيرة أضعها أمام عشرات النماذج الفنية المستوردة كما هي من الخارج وحتى المقتبِسة من المدارس الفنية العالمية وأصحابها .. عشرات النماذج الفاقدة لروح الداخل والمطمئنة إلى الخطوط الدولية العالمية في التقاط الأفكار وتصويرها ثقافياً وتقديمها وشرحها ..

متى يثور الفنان المحليّ باتجاه كنوز الداخل لينتج فكراً محلياً خالصاً من شوائبِ الآخرين؟! ليسبحَ في أفلاكِ الهوية الفنية التي تميّزه ! متى يفخر بمدرسته الثقافية الولاّدة الثريّة بكل مكوّنات البنية الفنية الصلبة والزاخرة بمساحاتٍ إبداعيةٍ لا متناهية ؟!

الفنان الحقيقيّ هو الذي يهوى الصعب وينافس نفسه مع كلِّ نتاجٍ فنيّ .. التقليدُ والاقتباس والذوبان أمورٌ سهلة وبالتالي هي فخاخٌ فنية مؤذية يجب الابتعاد عنها وتصحيحُ المسار نحو سيرورةٍ فكريةٍ أصيلة تمنح ديمومة النجاح لأصحابها.

في كل مسابقةٍ دوليةٍ يخوضها فنانون محليون تسرق صورهم منهم صفة "سفير" لبلادهم وثقافتهم وطريقة تفكيرهم ومعاييرهم الجمالية. والصورة السفيرة ذات التمثيل المشرّف لبلدها لا تظهر بالصدفة بل تولدُ بعد مخاضٍ شاقٍ وجهدٍ منظّم وفكرٍ أصيلٍ نقيّ له معاييره الجمالية المستقلة.

حضارتنا الأصيلة دار الجميع في فلكها يوماً ما لأنها من الحضارات الأم وأفرزت ثقافاتٍ أثّرت في مجرى التاريخ حتى اللحظة .. لذا منوطٌ بنا إعادة إنتاج الثقافة وصيانتها لتعود رائدةً كما كانت. الثقافات العالمية لوحة فسيفسائية لكل مكوّنٍ بها خصوصيته المميّزة المتصلة مع الآخر لكن .. دون الذوبان فيه.

فلاش:

عندما تلتقطُ كاميرتك الصورة .. فهي تلتقطُ مساحاتٍ من روحك معها

سحر الزارعي

الأمين العام المساعد

جائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي