وقفت وسائل الإعلام بدول الربيع العربي أمام اختبارات صعبة للغاية، كشفت عن أخطاء جوهرية في مدى المهنية والالتزام بالمصداقية والشفافية في بعض الوسائل، في الوقت الذي ذاع فيه صيت وسائل أخرى لعرضها الحقيقة للجمهور كما هي دون زيادة أو نقصان، عبر الرأي والرأي الآخر. و

على الرغم من أن وسائل الإعلام باتت محور تركيز اهتمامات الشارع السياسي في دول الربيع العربي، وخصوصًا مصر إلا أن عددًا من خبراء الإعلام اتفقوا على أن تفضيل السبق وغلبة الإثارة على الحقيقة، وعدم التمييز بين الآراء والحقائق، إضافة إلى إطلاق منابر إعلامية خاصة تخدم مصالح أصحاب رؤوس الأموال بعيدًا عن المهنية والشفافية كانت عوامل أسهمت في تشتيت الرأي العام وإثارة حالة من البلبلة في الشارع.

وتنحصر فكرة وسائل الإعلام في الوطن العربي في أنها لسان حال النظام الحاكم بشكل عام، فباتت بوقًا لمالكها يتحدث به للجميع، ويقنع العامة برؤيته، دون الاعتداد بالرأي والرؤى الأخرى؛ لذلك ولد الإعلام العربي في صورة إعلام رسمي، أسهم على مدار الفترة الأخيرة في التواصل مع الجمهور من خلال وجهة نظر أحادية الاتجاه، هي وجهة نظر الطبقة الحاكمة، وما تريد أن تضعه بمخيلة الشعب، للسيطرة على عقله وتفكيره.

إلا أن الوضع تغيّر بظهور الإعلام الموازي أو الخاص والفضائيات المختلفة، فأفرزت وجهات نظر جديدة ، إلا أنها ظلت أسيرة خطوط حمراء وتابوهات محددة سلفًا، في الوقت الذي مارست فيه السلطة ضغوطًا على عدد من تلك الوسائل، كالمصادرة والإغلاق، وغيرها.

لان بعض ملاك تلك الفضائيات والوسائل الخاصة من رجال الأعمال. وعقب ثورات الربيع العربي، انتابت وسائل الإعلام هزّة عنيفة، خاصة الحكومية، فاضطرب أداؤها، وبقيت تائهة بين مساندة الثوار، والاستمرار مع السلطة.

أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة سامي الشريف يتحدث قائلا: إن شكل ومضمون وسائل الإعلام عقب الربيع العربي لم يتغير، واستمر النهج في مخاطبة الرأي العام، إلا أن هناك بعض الاختلافات في الشكل، تتفق وتختلف وفقًا لكل دولة، ففي مصر نجد أن مساحة الحرية أوسع وسقفها أعلى. والثوار في دول الربيع طالبوا بتطهير وسائل الإعلام شريطة الالتزام بالمعايير المهنية.

ويربط نائب رئيس تحرير جريدة الأهرام نصر القفاص بين حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني التي تشهدها تلك الدول، وبين أداء إعلامها، فهناك علاقة طردية بين الحالتين، فالإعلام مرآة المجتمع، و"الإعلام الحكومي" الذي يعد صوت النظام رحل للأبد، ولن يعود مجددًا مع نمو وعي الجماهير.

الإعلامية بثينة كامل اتهمت وسائل الإعلام العربية، بأنها "مُحرضة" ولم تلتزم بدورها، والوقوف على مسافة واحدة بين كافة الأطراف المتنازعة، بل تحوّلت وظيفتها من التوعية إلى الحشد تجاه فكرة أو ضدها، بما أخل بمنظومة العلاقة بين الإعلام والجمهور، وأسهم بصورة أكبر في حالة الضبابية.

وأكد الإعلامي محمود سلطان أن ضبط إيقاع الأداء الإعلامي ليس صعبًا، فالعالم المتحضر سبقنا في معالجة الانفلات عبر منظمات المجتمع المدني، وبالتزام الإعلاميين أداء دورهم بشكل مهني يخدم مصالح الجمهور أكثر ما يخدم مصالح الجهات التي يعملون لصالحها؛ لذلك ينبغي خضوع الوسائل الإعلامية لمواثيق شرف أساسها خدمة الجمهور والدولة دون المساس بمناخ الحرية.

رئيسة الأخبار في «بي بي سي»: غطينا الربيع العربي بحماسة

 

تعرضت هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي لانتقادات شديدة على تغطيتها لأحداث الربيع العربي من قبل تقرير الثقة الذي أعده المدير السابق للاتصالات في الأمم المتحدة ادوارد مورتيمر ونشرته ديلي ميل ووصف صحافيي المحطة بالإفراط في حماسهم عند نقل تقاريرهم وفي استكشاف جانبي القصة في التغطية.

ليس ذلك الانتقاد فحسب بل آخر مماثل من رؤسائهم في المؤسسة العريقة. واعترفت رئيسة شعبة الأخبار بالقناة أن صحافييها حملهم الحماس بعيداً في تغطيتهم ما جعلهم يقدمون تقارير بدت فيها الحماسة مفرطة. وقالت في حالة ليبيا صحافيونا الذين لم يفارقوا الثوار ربما فشلوا في استكشاف جانبي القصة بشكل صحيح.

وكان جيرمي بوين محرر شؤون منطقة الشرق الأوسط من بين الذين انتقدوا في التقرير الخاص أداء مراسلي بي بي سي في تغطية الانتفاضات العربية، معلقاً بأن الحماس أحيانا قد يفسد ويصيب. وقد وصف بعض المشاهدين التقارير بأنها كانت مثيرة للمشاعر بشكل كبير وفيها انحراف عن الرأي.

والوثيقة المنشورة أثارت المخاوف من استخدام لقطات صورت بالهواتف المحمولة وغيرها من المحتوى المقدم من المستخدمين. حيث لوحظ أن هيئة الإذاعة البريطانية فشلت في تحذير المشاهدين مع المحاذير عن صحة لقطات من هذا النوع في نحو 74 % من تلك الحالات. وحذرت من أنها تجاهلت أحداثاً أخرى وركزت على القصص الكبيرة.

واعترفت رئيسة شعبة الأخبار أنه في وقت مبكر من التغطية في مصر وليبيا نقلت الأحداث بحماس مفرط، وكان يجب القول لصحافيينا، فقط كونوا حذرين. وفي ليبيا أيضاً، حيث قمنا بتضمينها في الأساس نحن مع الثوار من البداية، وظهرنا بشكل مفرط من الحماسة.

وكان يجب توخي الحذر في حال عدم التمكن من الوصول إلى الجانب الآخر من القصة. ورغم أن التقرير وجد أن مجمل تغطية بي بي سي للأحداث بدول الربيع كانت نزيهة بشكل عام، إلا أنها أثارت المخاوف بشأن جوانب التقارير. محرر شؤون الشرق الأوسط جريمي بوين اقترح ضرورة الإقلال من أسفاره ليكون لديه المزيد من الوقت لتقديم رؤية وتوجيه استراتيجي لرؤسائه في العمل.

وقال كاتب التقرير مدير الاتصالات الأممي السابق، ان هيئة الإذاعة البريطانية ارتكبت أخطاء في تقاريرها من بعض الدول، اذ كانت متقطعة وغير كافية ويمكن القول انه كان يجب أن يكون هناك حرص أكبر في تغطية الوضع في اليمن وتساءل عن التغطيات في كل من الجزائر والمغرب والأردن.

وأكدت رئيسة لجنة معايير الثقة التحريرية في بي بي سي أليسون هاستينغز الحرص الكبير لمعرفة مدى امكانية إجراء تحسينات، سواء في نطاق التغطية لتقديم صورة أكثر اكتمالاً للأحداث، وتقديم أفضل إطار للجمهور، واختتمت سوف نطلب من مدير الأخبار أن يقدم إلينا تقريره مع التحديث.