أبلغ وصف لطبيعة عمل الكاميرا هو إيقاف الزمان عند لحظة معينة يرتبط بها واقع يراه الانسان يرغب بالاحتفاظ به سواء لنفسه حفظاً لذكرى معينة يرغب في تذكرها باستمرار وهو يعلم أنه ربما لن تتكرر هذه اللحظة من ذاك الواقع أو رغبة ليراه الآخرون من خلال أعمال فنية إبداعية استخدم فيها الكاميرا لتطويع الموقف الذي رآه في صورة جمالية تشبه إلى حد بعيد فن الرسم أو النحت .
وبمناسبة الحديث عن الذكريات التي يفضل البعض الاحتفاظ بها فيلجأ لتصويرها عبر الكاميرا نظرا لاستحالة إيقاف الزمان فعلا ، دعونا نستوعب حقيقة الدافع من التصوير في تلك اللحظة ونبدأ بتساؤل ترى هل كل الذكريات التي نلتقطها عبر الكاميرا أو ربما ندفع مقابلا ماليا نظير اقتناء تلك الصورة ترى هل جميعها ذكريات سعيدة ؟ صورة في حفل تخريج مع راعي الحفل مثلا ؟ لحظة عائلية تجمع أفراد الأسرة في زمان بات هذا التجمع حلم يراود الغالبية للأسف ؟ كلها لحظات بالتأكيد تثير لدينا مشاعر جميلة نود لو أن يتوقف الزمان عندها لكن هيهات، والحل الأمثل كما ذكرنا سابقا هو استخدام الكاميرا والغريب بل والطريف أحيانا أن هذه اللحظات ربما تكون مثيرة للسخرية والضحك لو رآها شخص آخر بل ربما نضحك على أنفسنا عند رؤيتها بعد مرور فترة من الزمان ومع ذلك نحتفظ بها . الأغرب من ذلك هو اننا حتى اللحظات التي تؤلمنا نسعى للإحتفاظ بها وهذا ربما من عجائب بني البشر التي لو علم عنها غير بني جنسهم لسقطوا مغشيا عليهم من الضحك ، ولشرح الموضوع اكثر دعونا نتخيل مجموعة من الأطفال تتراوح أعمارهم بين العامين والخمسة أعوام قتلوا بدم بارد وبوحشية . ومع هذا تهافتت وكالات الأنباء قبل الإناس العاديين للإطلاع على هذه الصور بل البحث في تفاصيلها وهذا الطفل كان نائما والآخر مبتسم ، تلك المشاهد رغم مرارتها إلا أنها شكلت أيضا حالة من الفضول ورغبة في الاقتناء ربما أكثر من تلك الصور السعيدة ولا تسألوا عن السبب فقد عجز علماء النفس على الاتفاق على مصطلح واحد من المصطلحات التي تصف الانسان أو حتى ما يصف بها الإنسان نفسه .
لكن بالتأكيد تلك الصور المؤلمة ستظل خالدة في الأذهان وستأخذ نفس الحيز الذهني والاعلامي والفكري الذي أخذته تلك الصور ذات الطابع الجميل والذكرى السعيدة بل ربما أكثر وبهذه الحالة نصل إلى اعتراف ذاتي تام أن الكاميرا هي القاسم المشترك في كلتا الحالتين سواء في اللحظات السعيدة التي نتمنى أن تبقى حقيقة أو اللحظات القاسية التي نتمنى لو أنها لم تحدث وإن حدثت لا نتمنى أن تتكرر !
فلاش
من بين اللحظات التي تمر في ذاكرتي الآن وانا أخط هذه الكلمات والتي توقف فيها الزمان فعلا لو أن احدهم التقط لنا صورة في تلك اللحظة حين مر من أمامنا أحد المسؤولين من أصحاب الهيبة و " الكاريزما " التي تجبرك على الوقوف أمامه بذهول وهذا فعلا ما أصابنا ولكن أثناء تناولنا طعام الغداء أنا وبعض الزملاء حيث مر على حين غرة ذلك المسؤول ليتوقف أحدنا عن الأكل قبل أن يدخل فمه والآخر ظل ساكنا وقطرات الماء تحركت حيث كان يهم بشرب الماء حينها والآخر حاله ليست بعيدة عن الآخرين، عندها فقط شعرنا بحقيقة توقف الزمان وكم كنا نتمنى لو التقط احدهم صورة لنا في تلك اللحظة.