إشكالية تصوير الأعمال المحلية، في الإمارات، تحتاج إلى وعي تنظيمي، وسلطة إعلامية، وتنسيق مؤسسي بين الجهات الحكومية والخاصة المختلفة، في الدولة. لا نختلف في أننا نموذج استثنائي في مجال تعزيز مكانة صناعة الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، والدليل ما برز أخيراً من تواجد لمختلف الإنتاجات العربية والعالمية في الإمارات لتصوير أعمالها.

ولكن التحفظات التي أبداها منتجون إماراتيون، في مجال الإنتاج التلفزيوني، تلزمنا بأهمية البحث في مسألة العراقيل الإجرائية، التي تواجههم، بعد الحصول على تصاريح تصوير من المؤسسات المعنية، إلى جانب المطالب المادية عالية التكلفة التي تطلبها بعض القطاعات الخاصة للسماح بالتصوير فيها.

 وهنا السؤال، لماذا يتم إيقاف تصوير بعض الأعمال، في بعض الأماكن العامة، مع أن الشركة الإنتاجية الإماراتية تملك تصريحاً يفيد بإمكانية ذلك؟ ونقصد هنا بغياب السلطة الإعلامية، ولماذا تطلب شركات خاصة، من منتجين إماراتيين، لا يتعدون أربع شركات فنية، مبالغ عالية التكلفة، لاتخاذها مواقعاً للتصوير، تصل إلى 70 ألف درهم للتصوير في يوم واحد؟ ونقصد هنا بالاستثناءات التجارية للشركات الوطنية لتعزيز وتطوير الدراما المحلية.

أزمة

في حلقة نقاشية دارت بين (البيان) ومنتجي الأعمال الدرامية في الإمارات، والمؤسسات المختصة المعنية بتوفير الإمكانيات والتسهيلات في مجال تصوير الأعمال التلفزيونية، واختيار مواقع التصوير، أكد المنتجون أن أزمة تصوير الأعمال الدرامية في الإمارات، تحتمل إشكاليتين أولها: مسألة الوعي بأهمية الدراما، وذلك بسبب اعتقاد بعض المؤسسات الحكومية، أن التصوير فيها يثير عنها سمعة سيئة.

وتجنبها للموضوع يبعد عنها حقوق المساءلة، والإشكالية الأخرى تقبع في المبالغة في مسألة الأسعار في التصوير الخارجي، حيث تتطلب الشركات المختلفة مثل المطاعم والفنادق وغيرها أسعاراً خيالية لتصوير لا يتجاوز الساعات في يوم واحد.

ويقدم المنتجون هنا حلاً للمسألة بشكل معرفي مبني على ثقافة تتبناها المؤسسات المختلفة بالدرجة الأولى، وبشكل عملي تطبيقي وتنسيقي تتبناه المؤسسات المعنية بتصاريح التصوير في الإمارات، عبر خلق حالة اتفاقية بينها وبين المؤسسات الحكومية المختلفة، والقطاع الخاص. لافتين الى أن الإشكالية تكمن في تغيب السلطة الإعلامية للمؤسسات الحكومية المعنية.

تعاون مطلوب

«لا نستطيع تقديم دراما بالمعنى الحقيقي، دون تعاون بين المؤسسات الحكومية والخاصة»، هكذا قال الكاتب والمنتج الإماراتي جمال سالم، وبكل ما يملك من ملامسته للوضع بشكل مباشر، حيث بين أن التنسيق التنظيمي بين صناع الدراما المحلية والمؤسسات الحكومية المختلفة، سبب حقيقي للنجاح، مؤكداً أن هناك العديد من المؤسسات، ترفض السماح في التصوير فيها، أو حتى بجانبها.

ومنها: المستشفيات على سبيل المثال، معتبرين أننا سنظهر جوانب سيئة للمكان، ونشوه بها الصورة، متسائلا سالم: ماذا يعنون بتشويه صورة المكان؟، القصة الدرامية لا علاقة لها بالمستشفى، بشكل مباشر. وأضاف: مراكز الشرطة في دبي أيضاً، ترفض التصوير تماماً، أو تقديم أي خدمات معينة أثناء تصوير الأعمال، فهناك العديد من المشاهد: أشخاص في السجن، أو حادث مروري، لا نستطيع تقديمها.

وقال حول ذلك: «تعد شرطة دبي، من أبرز القيادات الأمنية، في كل ما يختص في مجالها، ونحن نفتخر بها، وعلى العكس الدراما اليوم، ستبرز دورها، ونحن معهم في أي اتفاقات، تخدم واجهة أعمالنا الدرامية، وواجهتهم كأهم مؤسسة حكومية في الدولة، ونتمنى فعلاً مراجعة الأمر من قبلهم».

سلطة وواجب

من جهته أكد محمد حسين، مدير إنتاج في شركة جرناس للإنتاج الفني، أن المنتجين الإماراتيين يواجهون إشكالية حقيقية، تخلق عائقاً يهدد مضامين الدراما المحلية، وخاصة تفاصيل المكان، والسبب في غياب السلطة الإعلامية، بشكل تنفيذي، بمعنى أن مدينة دبي للأستوديوهات، الجهة الأبرز حالياً في دبي، ومن المفترض أن تقدم تسهيلات عديدة، في السماح بالتصوير في مواقع مختلفة في المدينة، تتفاجأ أن إبرازك لتصريح التصوير، لبعض الأماكن، لا يقدم ولا يؤخر، مبيناً أنه لا يتكلم بشكل مطلق.

ولا ينسف ما تحاول المؤسسة أن تقدمه، ولكن يبقى المجهود ضائعاً، في حالة عدم تعاطي الجهات المختلفة مع الموضوع عملياً، وقال حول ذلك: «على الأقل يتم استثناء الشركات الإماراتية، نحن لسنا كثيرين في الساحة، وتسهيل إجراءات التصوير، يعتبر واجبا وطنيا، ووعيا مجتمعيا، يجب أن تتبناه المؤسسات».

وفي سياق التكلفة المادية المرتفعة، للتصوير في القطاع الخاص، لفت حسين الى أنها مسألة يجب أن يتم فيها وضع معايير، لا أقصد هنا الشركات العالمية التي تأتي من الخارج، فإن معدل الصناعة لديها مرتفع، وتكلفة أعمالهم ونسب مدخولها يفوقنا بملايين، والتاريخ الفني والمادي يحميها، وفرض مبالغ مالية، لا يمثل لها تهديدا كبيرا، على عكس الجهات الإماراتية، فإنها تعجيزية، ونوه حسين بأن إدارة مطارات دبي، تعد من أفضل الإدارات، في تفاعلها في دعم التصوير الدرامي، وهي شهادة حق تذكر لهم.

علاقات خاصة

المنتج الإماراتي سلطان النيادي، كشف أنه تم إنجاز تصوير مسلسل (طماشة) للموسم الرمضاني القادم، معتمداً على العلاقات الشخصية، والمعارف التي تربطه بمختلف المؤسسات، مبيناً أن تصريح التصوير الصادر من الجهة المعنية، لم يقدم فعلياً التسهيل العملي، موضحاً أن بعض المؤسسات غير متعاونة أبداً، منوهاً الى أنه يجب تعريب رسائل التواصل مع الشركات.

لأنه يواجه صعوبة في التواصل معهم، وأضاف: «نحن في دولة عربية، والشركات ملزمة بتوفير أقسام متخصصة في مجال التواصل باللغة العربية، اعتماداً على مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في تعزيز مكانة اللغة العربية».

وبين أن المنتجين الإماراتيين من المستحيل أن يشوهوا صورة الإمارات، بأي شكل من الأشكال، عبر ممارستهم رقابة داخلية، لا تحكمها تصاريح أو قوانين، وإنما واجب وطني.

ولفت إلى أن إشكالية التصوير، تخلق آثارا جانبية تلقي بظلالها في المضمون الإنتاجي، فالإشكالية تضطرهم إلى تغيير المكان، واستبدال مواقع بأخرى، وهذا بحد ذاته، لا يقدم واقعية المشهد بتفاصيل المكان الذي يحمل جزءاً كبيراً من بطولة المسلسل.

وبين أن النقد في هذا الجانب للأعمال المحلية، غير مكتمل، لأن البيئة المجتمعية لا تساعد في تقديم الصورة الصحيحة، بالمقاييس الفنية للمشهد، ولا تعي حتى الآن أن الدراما هي مرآة الشعوب.

عراقيل

وفي سياق تقديم حل لإشكاليات تصوير الأعمال المحلية، أوضح جمال الشريف المدير العام لمدينة دبي للإعلام ومدينة دبي للاستوديوهات، أنها عملية تكاملية ومسؤولية مجتمعية، وهم كمؤسسة معنية، تؤمن بأهمية التنسيق الفوري للتقليل من عراقيل التصوير الخارجي، للأعمال المحلية، مبيناً أنهم يسعون بشكل كبير إلى تقديم تسهيلات واسعة النطاق، يهدفون عبرها إلى تشجيع وجذب أنشطة التصوير، المتمثلة في وحدة تراخيص التصوير، والتي تعمل تحت إدارة المدينة.

وبين أن الوحدة، تشمل تراخيص تصوير الأماكن الخارجية والعامة، والأماكن الداخلية والخاصة مثل الفنادق ومراكز التسوّق والمنازل والمطاعم، منوهاً الى أن الموافقة النهائية للتصوير في الأماكن الخاصة تعود في النهاية لأصحابها، مشيراً الى أنه يتم تحديد المبالغ المعنية بالتصوير في الأماكن الداخلية والخاصة من قِبل أصحاب هذه الأماكن.

والوحدة المختصة في مدينة دبي للأستوديوهات، تعلم بأنها قد تصل في بعض الأحيان إلى مبالغ هائلة، تؤدي إلى عرقلة المشروعات الإنتاجية، وهم فعلياً يسعون للعمل مع الجهات الحكومية والخاصة لتخفيض التكاليف المطلوبة من قبل الجهات الخاصة، وتحديداً في ما يصب باتجاه إنتاج الأعمال الدرامية الإماراتية، التي لا تتحمل مثل هذه التكاليف، إضافة إلى مناقشات مستمرة ودائمة مع أصحاب الأماكن الخاصة للحد من تلك الأسعار.

وأكد أن استراتيجية وهيكلية «مفوضية دبي للإنتاج الإعلامي الجديدة»، المزمع إنشاؤها ستدعم القدرة التنافسية للإمارة، من خلال توفير بيئة إبداعية للإنتاج المحلي من جهة، وجذب شركات الإنتاج العربية والعالمية من جهة أخرى، باتباع منهج يساهم في حل أي إشكاليات من حيث آليات التعاون بين الأطراف، ووضع خطط للاستثمار تتناسب مع الميزانيات المرصودة لتلك المشروعات.

تساؤلات

 

واقع الإجراءات وظروف التصوير التي يواجهها المنتجون الإماراتيون من قبل بعض المؤسسات والجهات العامة والخاصة يطرح تساؤلات حول الوعي بأهمية الدراما، كونها مرآة تعكس واجهة مجتمع الإمارات، فهل تؤمن هذه المؤسسات بأهمية الشراكة مع منتجي الأعمال المحلية في إتمام نقل الصورة الفعلية للمجتمع المحلي عبر الشاشة؟، وكيف يقيمون الفن والإبداع، ومدى استعدادهم لتبني موقف يدعم الدراما المحلية في الإمارات؟، وهل هناك إيمان بالمسؤولية الاجتماعية عند هذه المؤسسات تجاه الأعمال التلفزيونية المحلية؟