بعد النجاح الذي حققه فيلم "مرحباً في بيت الدمى"، راحت استوديوهات هوليوود تتودد إلى مخرجه، تود سولوندز، لينجز آخر فيلم بميزانية كبيرة ويضم نجوماً لامعين. ولكن سولوندز، بدلاً من ذلك، اختار أن يقدم فيلما ينتمي إلى الكوميديا السوداء، ويحمل عنوان "السعادة"، ليظهر أن الطريق إلى السعادة مليء بالأحلام واليأس والخروج عن المألوف.

موجة من الجدل

وقدمت مجلة "توتال فيلم" الفنية، في تقرير نشرته أخيراً، تحليلاً نقدياً للفيلم، الذي حاز جائزة النقاد في مهرجان كان، وأثار موجة من الجدل في مرحلة ما قبل الإنتاج، وبعد إطلاقه إلى دور العرض في 16 أكتوبر عام 1998، وذلك بمناسبة إطلاقه أخيراً عبر أشرطة ال"دي في دي".

 ومن عنوانه الساخر إلى ملصقه الكرتوني إلى أغنيته المرحة، يفاجئ فيلم "السعادة" مشاهديه منذ البداية. وحول ذلك قال سولوندز: "يريد المخرج دائماً أن يتجاوز توقعات الجمهور، فهناك تكمن متعة تجربة ارتياد السينما."

ولكن المتعة هي بالتحديد ما يفتقر إليه أبطال العمل. فآلن (الذي يلعب دوره فيليب هوفمان) يفضل الأحاديث المثيرة عبر الهاتف على العلاقات الحقيقية. وتريش (التي تقوم بدورها سينثيا ستيفنسون) تتباهى بحياتها الكاملة، غافلة عن الفساد الذي يقبع تحتها.

وبيل (الذي يجسده ديلان بيكر) يحلم بإطلاق النار على الأشخاص الأبرياء في الحدائق، ويغمر ابنه بيل (روفس ريد) بالحب، ثم يخدر زملاءه في المدرسة ويبطش بهم. وقال هوفمان: "أعتقد ان كلا منا يواجه تحديات نفسية.

إذ إنك بمجرد كونك إنساناً يمشي على الأرض، تكون غير طبيعي، وغريباً، ومريضاً نفسياً." أما ستيفنسون فقالت: "يستكشف تود كيف يمكن للناس أن يكونوا غير مقبولين، وأن يظلوا مع ذلك موجودين في هذا العالم، إذ يخرجون للتسوق، ويقودون سياراتهم، ويذهبون إلى العمل."

شفقة واشمئزاز

وأوضح سولوندز أن هذا المزيج من الشفقة والاشمئزاز لم يكن محاولة لإحداث صدمة، إذ قال: "أريد دائماً أن أثير مشاعر الجمهور، على مستوى معين، بقدر ما أريد أن تثار مشاعري عندما أذهب إلى السينما. غير أنني لا أعتقد أن هذا الفائض العاطفي هو ما دفعني إلى كتابة السيناريو.

ولا يتضمن الفيلم ما لا يمكنك مشاهدته في التلفاز كل يوم من الأسبوع." ولكن يبدو أن هوليوود لم تنظر إلى الأمور بالطريقة نفسها، وحول ذلك قال تد هوب، الذي شارك في إنتاج الفيلم: "لقد عمدت إحدى الوكالات إلى إدراج السيناريو ضمن لائحتها السوداء، ومنعتنا من تقديمه إلى عملائها.

وقال لنا أحد المشترين إننا لم نكن لنقدم هذا الفيلم لو أنه كان لدينا أطفال." ومع ميزانية محدودة وجدول زمني جنوني السرعة، بدأ تصوير العمل في نيو جيرسي، حيث استخدم سولوندز بيت شقيقه ليكون منزل تريش وبيل بطلي الفيلم.

وبعد الانتهاء من التصوير، تم تصنيف الفيلم على أنه لا يصلح لمن تقل أعمارهم عن 17 عاماً (وهو التصنيف الذي يمنح عادة للأفلام الإباحية، وفقاً لما يقوله هوب).

وفي بادئ الأمر، رفضت استوديوهات "يونيفرسال" إطلاق الفيلم لأنه، على حد تعبير سولوندز، كان "مستهجناً من الناحية الأخلاقية"، غير أنه في النهاية، انطلق عبر استوديوهات "غود ماشين" المستقلة، ليحصل على جائزة الاتحاد الدولي لنقاد السينما في مهرجان كان.

وتعقيباً على الصعوبات التي واجهها فيلم "السعادة، قال هوب: "لطالما شدتني فكرة وجود نوع من الفن لا يعمل على تهدئة الأمور، بل، على العكس تماماً، يحركها. وأعتقد أنه يتعين علينا جميعاً أن نجد الأشياء التي تهمنا بما فيه الكفاية، وإن كان هناك من يريد قتلنا لمجرد إيجادها. وهذه هي فكرة فيلم (السعادة)."