ستظل الموسيقى أكثر الفنون قدرة على مدّ جسور التواصل والتفاعل بين الشعوب، باعتبارها لغة عالمية راقية تخاطب العقل والقلب والروح .. كلمات استهل بها المايسترو سليم سحاب حواره مع "البيان" ، موضحًا أن شاغله الأول والأخير الآن هو الحفاظ على هوية الموسيقى العربية، عبر استحضار أعماله من التراث وتقديمها للجمهور. وقال سليم الذي يحتل مكانة بارزة وسط مملكة الموسيقى العربية، إنه لن يذهب إلى فلسطين التي ولد بها لتقديم حفلاته الموسيقية بتأشيرة سفر إسرائيلية، موضحًا أن المسؤولين الفلسطينيين كثيرًا ما طلبوا منه إحياء حفلاته هناك، إلا أنه رفض حتى تتحرر الأرض من المحتل الإسرائيلي.

إلى أي مدى أنت راضٍ عن حال الموسيقى العربية الآن؟

أخجل عندما أستمع إلى الموسيقى المسفة، وأخجل عندما أشاهد أفلامًا كلها رقص وموسيقى مستفزة، ولا أجد ما أقوله وقتها.

ألهذا السبب اتهمت الشعوب العربية بأنها شعوب متبلدة وعاجزة عن استيعاب المدنية الحديثة؟

هذا ليس صحيحًا، الشعوب العربية من أرقى وأنجح شعوب العالم، وهي ليست متبلدة كما يصفها البعض، فمصر على سبيل المثال هي أم الفن، وهي التي احتضنت كل فنون العالم، فأصبح كل من يريد النجاح يأتي إلى مصر، كما أن الموسيقى الموجودة في العالم العربي عمومًا هي موسيقى راقية جدًا ونتاج للمدنية الحديثة ولا أحد يستطيع إنكار هذا أو إسقاطه.

هل تتفق مع قول البعض إن دخول التكنولوجيا أثر سلبًا على مسيرة الموسيقى ؟

بالفعل، انعكس تطور الآلات الموسيقية ودخول التكنولوجيا بها سلبًا على الموسيقى، وأقصد بكلامي أن هناك أجهزة موسيقية باتت تعمل بالكهرباء دون إبداع أو تذوق، وهنا أنا ليست ضد هذه الآلات ولكني ضد أن يكون الاعتماد الأول والأخير من قبل الموسيقيين عليها، وضد أن تحل محل الآلات الأصيلة الأخرى التي من المفترض أنها تقدم لغة عالمية راقية تخاطب العقل والقلب والروح.

الموسيقى والسياسة

في ضوء ذلك.. كيف تنظر إلى أهمية الموسيقى في المجتمع وتأثيرها في الشعوب؟

الموسيقى مثل السياسة تمامًا، وجمهور الموسيقى مثل جمهور السياسة، لكل منهما رؤيته وأفكاره ومعتقداته، كما أن هناك في الموسيقى ميولاً مختلفًا، فمنهم من يتأثر بهذا ومنهم من يتأثر بذاك، والموسيقى غذاء المجتمع وهي التي تعلم الشعوب معنى الرقي والإحساس، فكلما اهتم المجتمع بالموسيقى باعتبارها فنًا راقيًا انعكس هذا على المجتمع وعلى صورته وهيئته، وبالإضافة إلى ذلك تظل الموسيقى أكثر الفنون قدرة على مدّ جسور التواصل والتفاعل بين الشعوب.

وما الذي يجب أن تفعله الدول العربية لكي تصنع لنفسها رصيدًا موسيقيًا قويًا؟

أن يهتموا بالفن باعتباره فنًا راقيًا، وألا يستمعوا لمن يقولون إن الفن حرام؛ لأن الفن لا يعد حرامًا، بل إنني أكون قريبًا إلى الله وأكون في أصعب لحظات التجلي وأنا واقف على المسرح؛ لدرجة أنني أبكي ولا أشعر بالبكاء، فقط أجد دموعًا تسيل على وجهي.

إلى أي مدى تأثرت كموسيقي بالأجواء المتصاعدة في دول الربيع العربي؟

الفنان دائمًا ما يتأثر بما يحدث حوله، وأذكر أنه في أثناء اندلاع الثورة المصرية، ذهبت مع فرقتي لتسجيل أغنيات وطنية نلامس بها مشاعر الثوار، وأذكر جيدًا أنه كانت معي في الفرقة فتاة تبكي بشدة وأوقفنا التسجيل أكثر من مرة بسبب بكائها الذي لم تستطع هي السيطرة عليه؛ نتيجة الأحداث ونتيجة ما لمّ بأرض مصر.

منهاج

كيف كان النظام المصري السابق يتعامل مع الفن عمومًا، والموسيقى بشكل خاص؟

النظام السابق أهمل الفن طوال ثلاثين عامًا كاملة، وتركه لمصيره من دون أدنى اهتمام أو رعاية، وبالطبع واجهت صعوبات كثيرة للغاية في الارتقاء بمستوى الموسيقى في مصر، حيث كنت أول قائد أوركسترا يقيم حفلات تمزج بين الفن المعاصر والتراث، ولكني فوجئت أن هناك مسؤولين في الأوبرا يحاربونني ويحاولون إيقافي عن هذا الفن، مبررين هذا بأن الفن والموسيقى اللذين أقدمهما لا يعد تراثًا؛ لأنه لم يمضِ على هذا النوع من الفن خمسون عامًا، والآن ما كنت أقدمه أصبح منهجًا يسير عليه كبار القادة.

قدمت حفلات كثيرة عبر قارات العالم باستثناء فلسطين رغم أنك ولدت بها.. لماذا؟

بالنسبة إلى فلسطين؛ فرغم محاولات المسؤولين الفلسطينيين ودعواتهم المتكررة لي للذهاب إلى هناك إلا أنني رفضت الذهاب وقلت لهم لن أدخل فلسطين بإذن إسرائيلي؛ معنى هذا أنني لن أسافر إلى فلسطين لإقامة حفلات هناك إلا بعد أن تتحرر فلسطين وتعود إلى شعبها وسأدخلها حينها بإذنٍ فلسطينيٍ وليس إسرائيليًا.

 

موسيقى راقية

 

عن توقعاته وآماله المستقبلية لغد الموسيقى العربية ، قال سليم سحاب : أتمنى أن تصل الموسيقى إلى أقصى مراحل تطورها ونموها واحترامها، وأن يتعامل معها الناس باعتبارها شيئًا راقيًا، وطبعًا هذا الكلام لا يندرج تحته أي أعمال مسفة أو موسيقى مبتذلة.