الإيراني المخضرم عباس كيارستمي يحضر للمرة الثانية عشرة، سبع مرات منها مخرجاً، والباقي في تخصصات مختلفة. خمس مشاركات في المسابقة الرسمية، ثلاث مرات في لجان التحكيم، وسعفة ذهبية عن فيلم "طعم الكرز" في العام 1997. آخر مشاركة له كانت بفيلم "نسخة مصدّقة" عام 2010. يومها خرج من معطف السينما المحلية الإيرانية بفيلم ناطق باللغات الفرنسية والإنجليزية والإيطالية، وطاقم تمثيل يضم الفرنسية جولييت بينوش، ومغني الأوبرا البريطاني ويليام شيميل.
أساطير تمثيلية
هذه المرّة، يحط رحال كيارستمي في اليابان في ثاني تجربة للتصوير خارج إيران، مع دراما رومانسية ناطقة باليابانية من تمثيل طاقم شبابي في أغلبه مشهور في اليابان: رين تاكاناشي المعروفة على نطاق واسع من خلال مسلسلاتها التلفزيونية؛ ريو كاسي الذي ظهر في أكثر من 60 فيلماً وعملاً تلفزيونياً منذ العام 2000.
بالإضافة إلى ديدندن الذي يعد واحدة من الأساطير التمثيلية في العقدين الأخيرين. وتدور الأحداث في اليابان في العام 2011، لنتعرف على "أكيكو" (تاكاناشي)، طالبة جميلة تبيع نفسها من أجل إكمال دراستها. اللقطات التأسيسية الأولى ترتكز على التطويل المتعمّد لكشف شخصيات الفيلم في حالاتها الطبيعية؛ صمت كثيف إلا من الأغنية التي تأتي من بعيد في الحانة، وبعض الأصوات المتناثرة في أرجاء المكان. "أكيكو" على موعد مع جدّتها التي ستصل إلى طوكيو للمرّة الأولى بعد قليل، ولكن رّب عملها يطلب منها الذهاب إلى زبون مهم في نفس الوقت.
رسائل صوتية
"أكيكو" المحتارة، والمصّرة على استقبال جدّتها تتعرّض لضغط شديد من قبله، فتنهار باكية ولكنها تنصاع في النهاية، وتركب في سيارة أجرة في الطريق إلى منزل الزبون الذي يبعد ساعة من الزمن عن طوكيو. في الطريق تستمع "أكيكو" إلى رسائلها الصوتية التي في أغلبها من الجدّة في مشهدٍ شعري وعاطفي حاد؛ بينما تبدو طوكيو في الليل وديعة وجميلة.
صوت الجدّة الرخيم الذي يأتي من سمّاعة الأذن يبدو وكأنه يعلّق على ارتباكات المدن الكبرى، وضجيجها، وتضخمها السكاني؛ وما نشاهده في الشريط البصري هو تقاسيم وجه "أكيكو" الذابلة والضعيفة؛ وانعاكاسات أضواء المدينة الصفراء على زجاج السيارة، وتلوّنات النيون على انكسارات الفتاة التي تشارك جدّتها الحب الناقص.
وبمجرّد أن تنتهي الرسائل، تطلب الفتاة من سائق الأجرة أن يتجه إلى المكان الذي تنتظرها فيه الجدّة، وفي لقطة مفعمة بالنوستالجيا، تلمح الفتاة الجدّة الواقفة في وسط دوّار تحت تمثال كبير، غير أن السيارة التي تلتف الآن تغّيب الجدّة عن مرمى البصر لتذوب سحنتها في المدينة.
مشاعر غائبة
تصل الفتاة إلى الزبون المنتظر، هو باحث مسن يُظهر لها الكثير من اللطف والاحترام؛ ويعرّفها إلى مكتبته الضخمة؛ يبدو أنه يفتقد الحب بعد موت زوجته؛ بل ينقصه بالدرجة الأولى العواطف الإنسانية العادية جداً: الجلوس إلى طاولة العشاء مع شخص آخر؛ والحديث عن شؤون كثيرة لم يمارسها بعد تقاعده. يعتبرها حفيدته المرتقبة؛ فتنام في سكون في هذه الليلة المغايرة. في الصباح، يوصلها إلى الجامعة لتؤدي الاختبار. في الطريق، يستعيد كيارستمي أجواء سيارة الأجرة الليلية عندما تنعكس أضواء الليل على زجاج النافذة؛ هذه المرة تكون نهارية.
فيما السماء الزرقاء المطعمة بالغيوم تنعكس على النافذة الأمامية في تشكيلات بصرية ونحتية مطرزة بانعكاسات الجسور والمباني، وممزوجة بوجوه الباحث المسن والفتاة الساهمة. ما يختلف هو المشاعر التي تعتمل في ثنايا الفتاة. ينتظر العجوز الفتاة عند باب الجامعة، وهناك يلتقي بخطيبها الذي يرقبها تخرج من سيارته. يدخل الاثنان في حوار مطوّل، ويعتقد الخطيب أن هذا الرجل هو جدّها الحقيقي، وبدوره لا يفصح العجور عن هويته، لندخل أيضاً في حكاية جديدة لحبٍ ناقص.
تأتي الفتاة مرتبكة خوفاً من افتضاح حقيقتها، غير أن الباحث يبرهن عكس ذلك. عندما تعود الفتاة إلى منزل المسن، تلتقي بجارته العجوز، التي تشكف عن حبٍ ناقص وأخير في الفيلم لهذا المسن الذي، من جانبه، لا يدرك حبها.
