عُرض، في اليوم الثاني من مهرجان كان السينمائي، أول من أمس، فيلم «الجنة: الحب» للمخرج النمساوي أولريتش سيدل في المسابقة الرسمية. يُمكن قراءة الفيلم الذي يبدو ظاهرياً بسيطاً وواضحاً؛ ولكن في العمق هو يغوص في عالم داكن وافسد يصبح الإنسان فيه مجرّد دمية نزقة تجري خلف أهوائها التي أيضاً تبدو بريئة، ولكنها تُمارس العنف العاطفي الجارح بشكلٍ هزلي وميكانيكي صارخ. هذه الازدواجية في تفسير اللحظة الواحدة هي منبع الادهاش والربكة في آن واحد. أن تشعر بالتعاطف وأن لا تطيقه هو الذي يضعك أمام تساؤلات الفيلم الوجودية. إلى أي حد يُمكن للإنسان أن يفسخ جلده، وإلى أي مدى يُمكنه تُقبل، بل وتفهّم الآخر، وخاصة إن كان يختلف عنه في إرثه الثقافي، والشكلي، واللوني، والحياتي، وأيضاً في إدراك مكامن عواطفه التي قد تتساوق أو تنقلب في إطار الموقف الذي ينزوي فيه.
زوايا داكنة
أولريتش يذهب بعيداً جداً -إلى حدّ التطرّف- في حصر شخصياته في الزوايا الداكنة والمخيفة؛ في إرباكها وتفكيكها وإقصائها من إنسانيتها بدافعٍ إنساني كبير. هو يطرح ما لم يكن في البال، أو كان ولكن لم ولن نجرؤ على طرحه علناً. الذات البشرية التي تحمل الخير في قالب شرير أو العكس. هي اللحظة التي تقرّر جدلاً أيهما تكون، بناء على معطيات الموقف ومشاربه الكثيرة. ونحن أمام مدرّسة (تيريزا) لذوي الاحتياجات الخاصة في النمسا؛ تؤدي الدور ببراعة وجرأة كبيرة مارغريت تيسيل، لديها ابنة مراهقة، وعلى وشك الذهاب في رحلة إلى كينيا.
تترك الابنة لدى أختها، وتسافر إلى مكان غامض للاستجمام. بمجرّد وصولها تجد فيه سحراً كبيراً في الطبيعة، وفي الاكتشاف الأوّلي لعالم تجهله تماماً، ولكن ملاذها الوحيد هو الراحة. في ذات الوقت، هي مشكّكة ومرتبكة أمام حالة المكان الساحر الذي لا تعرف فيه الأمان، بدءاً من تقزّزها من وضعية المكان التي تجليه بعناية إلى الأشخاص الذين تراقبهم بعين وجلة.
تلتقي هناك بنساء أوربيات كبيرات في السن مثلها، وصديقة خبيرة في المنطقة ودهاليزها السريّة؛ هذا اللقاء يفتح باب يسميه المخرج "الجنة"، بينما نراقبه نحن ونتعرف إليه تدريجياً لنسميه "جهنم". هي ترتاد المكان سنوياً بحثاً عن المتعة بأسلوبها الرخيص يسميها المخرج "الحب"، ونتعرّف إليها تدريجياً لنسميها "الكره".
هي تستخدم شباب أفارقة يبيعون الحب؛ هذا الخلط الذي يُدخلنا المخرج فيه يرسم صورة سوداوية جداً لواقع العالم اليوم. ويطرح أسئلة عميقة في النظرة إلى الآخر في وقت يُفترض فيه أن الانفتاح والتكنولوجيا يمهدان لفهم أصفى وأنقى. عالم قاسٍ بلا رحمة، تختلط فيه القيم الإنسانية العذبة بالمالحة. والعاطفة الحسية تتبدّل حسب الموقف لا المنطق، والسؤال ما إذا كنا نتقدّم في نظرتنا للآخر أو نتأخر يظلّ معلقاً طالما أن الأسس التي تُبنى عليها متأخرة وساذجة واستغلالية.
3 نساء
«الجنة: الحب»، ببساطة هو ملتقى لشباب أفارقة بنساء طاعنات بالسن. هو ملتقى أوروبا بأفريقيا. هو ملتقى الجشع والسمك الكبير يأكل الصغير. فيلم النمساوي أولريتش سيدل هذا هو الأوّل من ثلاثية حول ثلاث نساء، وثلاث عطل، وثلاث قصص تبحث عن السعادة اللحظية. في هذا الجزء "الجنة"، نحن مع "تيريزا". هذه هي المشاركة الثانية للمخرج سيدل في المسابقة الرسمية بعد "استيراد/تصدير" في 2007 الذي لا يختلف كثيراً في طرحه عمّا شاهدناه هنا؛ تصدير الإنسان واستيراده حسب طلب السوق الذي يُسمى في عُرفنا تجاوزاً "العالم الجديد".
