ازدادت في الفترَة الأخيرة حركَة التواصل بشكل كبير، واكتظّت فضاءات الـ "فيس بوك وتويتر" بالمستخدمين وتعددت المدونات الخاصة وتنوعت حتّى أصبحت ضمن اهتمامات فئة كبيرة من المجتمع.. وأصبحَ الفرد يعبّر عن رأيهِ بحريّة دون قيود أو خوف، ويطرح أفكاره بكل بساطة عبر أزرار يضغطها لا تكلّفه أي جهد أو مشقّة.
والسّؤال المطروح، هل تختلف شخصيَة الإنسان في العالم الافتراضي عن الواقع؟ حيث تسود الأفكار الإيجابية والنقد البّناء وتندرُ الأفكار السلبيّة والهجوم والسب والشتم، عكس ما نراه في واقع الحياة، وأتعجبُ من شخص يطلق ألفاظه البذيئة في الواقع بينما في عالمه الافتراضي تنطلق من بين أصابعه أجمل العبارات عبر الجهاز. فهل يختلف نطقَ اللّسان عما تخطّه الأصابع؟ وهل يعبّر الشخص عن أفضل مشاعره في العالم الافتراضي ويترك البقيّة للواقع؟ وماذا عن الكذب والخداع والأقنعة التي يلبسها المدّعي هنا، هل لها علاقة بنفسية الإنسان وأسلوب حياته ومستوى تعليمه؟ وكيفَ نتحدث عن أنفسنا، فهل نجمّلها في مدوناتنا ونختلق الأعذار لأخطائنا والكلمات التي ننتقيها، تكون هي الأفضل والأجمل في عالمنا الافتراضي مقارنة بالواقع؟
ربّما هذه الأسئلة تدور في عقولنا عند إعجابنا بشخصية ما في العالم الافتراضي!
والسؤال المحيّر كيف أبني ثقتي بين هذا الجهاز والجهاز الآخر؟ بين شخصيّتي في العالم الافتراضي وبين شخصيته في العالم نفسه! بعيداً عن الواقع؟ والسؤال الأكثر حيرة من هذا وذاك، هل أنا حقيقي هُنا؟ مفهوم الشخصية الذاتية، وكيف تتأثر بذلك عن طريق التكنولوجيات الناشئة، هي موضوع البحث في مجالات مثل علم النفس وعلم الاجتماع.
إن المجتمع الافتراضي عبارة عن شبكة تربط الأفراد بعضهم ببعض حيث يتفاعلون عبر وسائل محددة، من أجل تحقيق المصالح المتبادلة أو الأهداف المشتركة. والشبكات الاجتماعية أكثر تطبيقات المجتمع الافتراضي انتشارا. اذ يشجّع الجميع على التفاعل في القضايا الخاصة والتواصل العادي. وبعض المجتمعات الافتراضية تقوم بالأمرين معاً. والفرد عادةً في المجتمعات الافتراضية يقدم نفسهُ دون خوف من الاضطهاد، سواء في صفات شخصية أو سلوكيات اجتماعية، حيث يختفي خلف اسم مستعار. وهو لا يكشف عن نفسه بطريقة واضحة ما يسهّل عليه سرد يوميّاته وطرح أفكاره مع الآخرين
والسؤال هل نحن لا نثق في بعضنا البعض من خلال الواقع، فترانا أفضل في عالمنا الافتراضي خوفاً من واقعنا الذي يكسّر المجاديف؟ وهل نحنُ متشابهون فيه ؟ لذلك نعين ونعاون، ونظهر بالصّورة الحقيقية التي في أنفسنا لكنّنا نخفيها في واقعنا لأسبابٍ خاصة، خوفا من ردّة فعل من حولنَا أو رهبةً من الحرمان والعقاب؟! فبناء سمعة إيجابية في العالم الافتراضي أسهل من بنائها في العالم الحقيقي، حيث يعزز ثقة الفرد لتغيّير نفسهِ نحو الأحسن.
والعالم الافتراضِي سلاح ذو حدّين، فشخصيّة الفرد في الواقع تحكُم شخصيتهُ في الافتراضي، إذ يستطيع أن يزيد من جمال شخصيته ويجعَل العالم مرآته للنّاس يعزز ثقته بنفسه ويشرك الناس في خططه وآرائه بكل أريحيّة، وربما يدمّرها بمساوئه. والأهم هنا التمسّك بالدين الإسلامي والعادات والتقاليد في العالمين وألا ننحاز لأفكار تدمر المجتمع، ولنجعل من عالمنا الافتراضي داعماً للفكرِ والتطوّر والحضارة.