تدير المذياع كعادتك كل صباح، وتبحث في ترددات إحدى الموجات العربية، صوتاً طالما أحيا ذائقتك لإيقاع الأغنية العربية الأصيلة، وتنسمت به هوى الأماكن، بأعطني الناي وغني، وبحبك يا لبنان والقدس العتيقة وقصيدة جبران خليل جبران في أغنية " سكن الليل "، وفي جميعها تراتيل تغنت بها جارة القمر فيروز ، ووصفها المؤرخ والناقد الموسيقي إلياس سحاب بالصوت الماسي الخالد، ومطربة الشرق العربي، وأن موسيقاها نوتة ثقافية تنتمي إلى عالم العراقة التاريخية في عالم الفن. اعتمدت الفصحى عنواناً في أبهى حلة، وأحيت جمال الكلمة في سيمفونية اختزلت تجربة انسانية، بدأت منذ ثلاثينات القرن الماضي. وذلك في محاضرة بعنوان : " فيروز والغناء العربي "، نظمتها ندوة الثقافة والعلوم بمقرها في الممزر، وحضرها نخبة من المثقفين والموسيقيين وعشاق صوت المطربة اللبنانية فيروز. وقدمها الأديب الإماراتي علي الشعالي.
تحفة ثقافية
أنتج تاريخ الغناء العربي المعاصر، نوعين من المغنين كما شرحها سحاب في محاضرته، موضحاً أن منها ما يعتبر منتجاً وإرثاً ثقافياً، وآخرارتبط بالترفيه والتسلية فقط.
ولفت إلى أن كل ما قدمته فيروز طوال سنوات عمرها الموسيقية ينتمي إلى المدرسة الثقافية. وفي حديثه عن الإطار التاريخي للحنجرة الفيروزية، أشار سحاب إلى أن نهاد حداد وهو الاسم الحقيقي لفيروز، ولدت إما في عام 1935 أو عام 1936، مبينا أن القصة الموسيقية الكبرى، انطلقت مع السيد درويش، وامتدت بحصيلة 3 مدارس، شكّلت نبض الموسيقى العربية المعاصرة، وهي: مدرسة أم كلثوم، ومدرسة محمد عبدالوهاب، ومدرسة اسمهان.
ونوه سحاب أن الانفتاح الذي شهدته النسخة النسائية للمدرسة الاسمهانية ومدرسة محمد عبدالوهاب، ساهمت في تجذر أصالتها، مشكلاً انتماء فيروز لها.
الاسم الفني
وفي حديثه عن مدرسة المشرق العربي أو ما يسمى بالمدرسة اللبنانية، تطرق سحاب للتكوين الفني لفيروز، مبتدئا بمدرسة الإخوان فليفل، معتبرا ً أنهم النبض الأول الذي تنبه لموهبة فيروز، مستثمرين تعليمها استقامة الألفاظ عبر تجويد القرآن الكريم ، محققين إضافة و جهدا بارزا لغنائها. وبين سحاب أنها لم تعمر في هذه المدرسة فترة طويلة. وأتت بعدها المرحلة الثانية لتكوينها الفني، وهي مدرسة الإذاعة اللبنانية.
وقال حولها: " شكلت محطة الإذاعة اللبنانية، لقاءً تاريخيا، تدرج عبره نجاحات فيروز بتعرفها على حبيب الرومي، والد الفنانة ماجدة الرومي، الذي حقق لقاءها مع الإخوان الرحباني". وأضاف سحاب أن الرومي بذل جهداً خاصاً في مجال تعزيز الغناء المتفرد لفيروز، مدللاً بأسطواناتها التي احتوت على الأندلسيات وغناء الموشحات، قبل أن تتعرف على الإخوان الرحباني. وذكر سحاب أن الرومي هو من خيرها بين فيروز وشهرزاد اسماً فنياً، ففضلت منهما اسم فيروز.
القومية
وفي حديث تناغمي عن الانسجام النوعي بين مؤسسة الرحباني لعاصي ومنصور الرحباني وفيروز، لفت سحاب إلى أن النسيج الروحي للمجموعة برز عبر ملامحة عامة شملت جزءاً من النهضة الموسيقية المتأثرة بالإنشاد الديني الإسلامي والمسيحي المشرقي، وتكامل عناصر الشعر واللحن والتنفيذ، شارحاً مصادر الصوت في الغناء العربي، والذي أكد أن الأصيل منه يخرج من الصدر، وهذا ما امتازت به فيروز، ولكن تطور الآلات الموسيقية وجه فيروز لاستخدام صوت الرأس: وهو ما يمثل الارتقاء بطبقات الصوت العليا. وبين سحاب أن ما يميز الغناء الفيروزي هو النداءات الوطنية والقومية العربية، فهي من الفنانات القليلات الرافضات دعوات الحكام والسلطة لإحياء حفلات خاصة لهم. ولفت سحاب إلى أنه ليس رأياً سياسياً بل رسالة بأن الحاكم مستمع عادي، ويستطيع الحضور والمشاركة في الحفلات العامة.

