لطالما رفض المخرج الفنلندي آكي كوريسماكي الخضوع لضغوط العالم الحديث، لا سيما تلك التي تشعرنا بالحاجة إلى التقدم والتغيير. فهو، على الرغم من تقديمه ما يزيد على 30 فيلماً منذ ثمانينات القرن الماضي، ظل متمسكاً بتصوير المستضعفين من الطبقة الوسطى، الذين يقيمون عادة في بلدات فقيرة بشمال أوروبا. ولا يحدث شيء رائع أو مربح أو مثير البتة في أفلام كوريسماكي، وكذلك الأمر بالنسبة لآخر أفلامه لوهافر، الذي قطع فترة غيابه التي استمرت خمس سنوات.
وقالت صحيفة جابان تايمز اليابانية، في تقرير نشرته أخيراً، إن كوريسماكي، في فيلمه الأخير، نقل ممثليه، بمن فيهم بطلة أفلامه المفضلة كاتي أوتينين، إلى ميناء لوهافر الفرنسي، ونسج حكاية بنغمات سياسية غير نمطية. وكما هي الحال بالنسبة لجميع قصصه تقريباً، فإن فيلم لوهافر يدور حول رجل في خريف العمر، لا يملك شيئاً من الثروة أو الفرص، ويدعى مارسيل ماركس، ويقوم بدوره أندريه ويلمز.ويدعي مارسيل أنه كان كاتباً في يوم من الأيام، ولكنه يعمل حالياً ماسحاً للأحذية. وتنحصر حياته اليومية في مثلث منظم يتألف من عمله وحانته المفضلة وشقة صغيرة يقيم فيها مع زوجته، آرليتي (أوتينين)، وكلبته لايكا.
عالم مارسيل المنتظم
ويتمزق عالم مارسيل المنتظم عندما يلتقي بإدريسا التي تقوم بدورها بلوندين ميجيل، وهو لاجئ أفريقي يبلغ الحادية عشرة من عمره، ويأمل في بلوغ لندن، ولكنه لا يملك ما يمكنه من عبور القناة. وتعج شوارع لوهافر بهذا النوع من اللاجئين اليائسين، الذين سرعان ما يتم اعتقالهم وترحيلهم عبر الحدود.
وانطلاقاً من رغبته في مساعدة إدريسا، يخفي مارسيل الصبي في شقته، في الوقت الذي تصاب آرليتي بمرض خطير، ويتم نقلها الى المستشفى. ويأتي مفتش مركز الشرطة المحلي، مونيه (جان بيير داروسان)، بحثاً عن إدريسا، ولكن جميع سكان الحي يحتشدون للمساعدة وإحضار الطعام والكذب بشأن مكان الصبي.وأشارت الصحيفة اليابانية، في تقريرها، إلى أن لوهافر يذكر مشاهديه بفيلم مرحباً، وهو فيلم فرنسي آخر عن اللاجئين، ولكنه لا يحمل القدر نفسه من الأمل.ولأن الحكومتين الفرنسية والبريطانية تتبنيان سياسات صارمة في ما يتعلق بالهجرة غير الشرعية، فإن سكان لوهافر الذين يحاولون مساعدة اللاجئين يواجهون غرامات كبيرة، أو ما هو أسوأ من ذلك.ويقوم مارسيل بمخاطرة كبيرة من خلال إخفائه إدريسا، غير أنه لا يفصح عن ذلك السر أو عن مصدر قلقه الآخر، وهو أن يدخل السجن، ويصبح غير قادر على العناية بزوجته، التي، في هذه المرحلة من الفيلم، تقبع في المستشفى.
عذوبة ورقة وشاعرية
ويبلغ كوريسماكي من العمر الآن 55 عاما، ولعل نضجه هو السبب في أن لوهافر يمثل أكثر أعماله عذوبة ورقة وشاعرية. وفي مؤتمر عقد في إطار مهرجان كان السينمائي، قال المخرج المبدع: ربما يبدو هذا الفيلم وكأنه قصة خيالية. ولكن العالم يحتاج في بعض الأحيان إلى القصص الخيالية..وعلى امتداد مسيرته المهنية، واظب كوريسماكي على نسج قصص خيالية تتجول شخصياتها في غابة لا يلوثها المنطق الوحشي للرأسمالية الحديثة.
