شفيع شلبي: عملت في التلفزيون بدون أجر احتراماً لمهنتي

أكثر من 30 عامًا قضاها الإذاعي شفيع شلبي بعيدًا عن التلفزيون المصري، رغم أنه كان أشهر وأغرب الإذاعيين والتلفزيونيين خلال فترة الثمانينات من القرن الماضي، حيث عرف بفكره التحرري وطريقته الغريبة في تقديم البرامج، حيث كان أول مذيع يطل على الشاشة الصغيرة بملابس كاجوال وقميص مفتوح وشعر مجعد.

وعلى الرغم من الجدل الذي أثاره هذا السلوك وقتها، إلا أنه حقق نجاحًا كبيرًا بين الجماهير ببساطته وتلقائيته التي كان أداء التلفزيون يفتقدها في ذلك الوقت، وساعده على ذلك أنه عمل دون أن يتقاضى مليمًا واحدًا؛ لأنه يرى نفسه مهنيًا، والمهني -حسب رأيه- لا يجب أن يتقاضى أجرًا أو يعمل لحساب شخص أو جهة.

شلبي في حواره مع "البيان"، تطرّق إلى ذكريات وأحداث عديدة مر بها خلال مشواره كمذيع ومحاور ومخرج ومنتج للأفلام التسجيلية، فيقول: عملت في التلفزيون منذ مايو 1971 إلى سبتمبر 1981 لمدة عقد كامل قارئًا للأخبار، وفي ذلك الوقت كان يعمل أعلام الإذاعة مثل صلاح زكي وسميرة الكيلاني في التلفزيون، ولكنهم كانوا يؤدون نفس أداء الراديو، فتعجبت؛ لأن لكل وسيلة طابعها الخاص، والمشاهد لابد أن يشعر أن المذيع يحدثه هو دون تصنّع.

ويستطرد: ذهبت إلى صلاح زكي نفسه، وقلت له "إنني متابع جيد لكم، ولكني أرى أنكم تعملون في التلفزيون بأداء الإذاعة، وهذا لا يصلح، وبدا الكلام صادمًا لكنه أيدني فيما أقول، وبعدها أجرى لي اختبارًا لتقييم الأداء، وبالفعل نجحت فيه لكنه طلب مني أن أربي شاربي لأبدو كبيرًا، فقلت له: "هل هذه النشرة لا يؤديها إلا الكبار؟!" فلم يعلق!

وحول أسباب إصراره على العمل في التلفزيون دون أجر، قال: الأجر في ذلك الوقت كان 97 قرشًا، لكنني لم أتقاضَ من التلفزيون المصري مليمًا واحدًا انطلاقا من رؤيتي بأن الشخص المهني هو في المقام الأول صاحب الرسالة، ومن ثم لابد أن يعمل حرًا لحسابه وليس لحساب الغير.

 

حوارات مثيرة للجدل

ويتذكر شلبي عددًا من الحوارات المثيرة للجدل التي أجراها عبر مشواره مع التلفزيون، ومنها حواره مع الكاتب يوسف السباعي ووزير إعلام وثقافة عموم مصر آنذاك، وعن هذا الحوار قال: أجريته في فبراير عام 1971، وأذيع في منتصف مارس من نفس العام وكانت مدته 15 دقيقة في برنامج اسمه "السهرة الكبرى" ولم أكن أتجاوز الرابعة والعشرين وقتها ولم يشتمل إلا على ثلاثة أسئلة أثارت غضب السباعي بشدة، وكانت من المرات القليلة التي فقد فيها السباعي هدوءه، والسؤال الأول كان متعلقًا بالأدباء الشبان، أما السؤال الثاني فهو "كان من توصيات مؤتمر أدباء الشبان أن يتم إصدار مجلات متخصصة فلماذا لم يتم إصدارها حتى الآن؟"، والسؤال الأخير: لماذا لا ينشأ اتحاد للكتاب المصريين؟.

إلا أن المفاجأة الأكبر، والكلام لشلبي، أن حلقة السباعي كانت أول وآخر حلقة من برنامج "السهرة الكبرى"، فلم يقدّم بعدها، ولم يكن هذا هو البرنامج الوحيد الذي تم وقفه له، بل تم وقف برنامج آخر بعنوان "فلاش" وكان عبارة عن قراءة في الجرائد وبالأخص الصفحات الاجتماعية، وذلك لأنه قرأ مربعًا اسمه "صورايخ" به نقد للتلفزيون، وهذا بدوره لم يعجب القائمين على التلفزيون.

وحول أسباب اختفائه من شاشة التلفزيون المصري بعد 10 سنوات من النجاح.. قال شلبي الذي يفضل مناداته بـ"المذيع أو المهني" عن الإعلامي: لقد تم منعي من الظهور على الشاشة بقرار جمهوري عام 1981 ضمن حزمة من القرارات التي أصدرها السادات والتي طالت عددًا من المفكرين والرموز الإسلامية والمسيحية آنذاك..

 فاختفيت من الظهور على التلفزيون الذي لم أكن أبدًا موظفًا فيه، ولم ينتهِ شهر ديسمبر عام 1981 إلا وكان المركز العربي للإنتاج الوثائقي مؤسسًا وأنتج أربعة أفلام، وهو أيضًا مؤسسة غير هادفة للربح أنتجت سلاسل أفلام عديدة منها موسوعة "أعلام معاصرون" وسلسلة "رائدات من القرن العشرين"، فاهتممت بالتاريخ لأني أدركت أنه لكي نفكر في المستقبل لا بد أن نعي الماضي جيدًا، فمن لا يعرف التاريخ ويحفظ ذاكرة أمته يهدر عقل الإنسانية، فالأشخاص يرحلون وتبقى صنائعهم.

 

اكتتاب شعبي

امتلاك المواطنين لإذاعات وقنوات تلفزيونية أهلية (عبر اكتتاب شعبي) هو أحد أحلام شلبي التي يريد تحقيقها، فما هي رؤيته لكي تصبح حقيقة واقعية؟ أجاب بأن أول إذاعة منتظمة في العالم كانت في بريطانيا عام 1920 وكانت مصر من أوائل من سبقوا إلى إنشاء إذاعة عام 1923، ثم توالت بعدها الإذاعات حتى بلغت 28 إذاعة أهلية أنشأتهم جمعية أنصار التمثيل والسينما.

فالأصل في الإذاعة أنها كانت أهلية، وفي عام 1925 تم إصدار قانون تنظيم الإذاعات الأهلية، ولكن المؤسف ما حدث عام 1934 عندما قام المستعمر البريطاني بمصادرة هذا الحق واحتكر امتياز ماركوني البريطانية، حتى إن أجهزة الراديو كانت تسمى ماركوني، وذلك؛ لأن هذا المستعمر أدرك أن المصريين سيسمعون كبار المفكرين والعلماء، ما سيسهم في القضاء على أميتهم، وهذا ضد مصالحه، وهو الأمر الذي سار عليه حكام مصر بعد ذلك حيث احتكروا الإعلام الرسمي لصالحهم للسيطرة على الشعوب.

وعن كيفية تحقيق هذا الحلم (حلم امتلاك المواطنين لإذاعات وقنوات تلفزيونية أهلية) على أرض الواقع دون أن يتحول إلى عبث من غير الجادين، قال: إن مسودة مشروع النظام الأساسي للاتحاد العام للمهنيين المصريين تنص على بنود منظمة، منها السهر على التزام "المنظمات الإذاعية" بطابعها المهني وضمان مباشرة نشاطها على أسس مهنية إنسانية، لا تقبل التمييز بين أعضائها، ووضع الأصول والقواعد العامة لممارسة "الإذاعي" لمهنته بما يحفظ حقوق المواطنين المصريين وكل من يصل إليه البث الإذاعي، من مختلف المصادر، في البلاد، ومنها لعموم الجماعة الإنسانية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات