تعد القارة القطبية الجنوبية أكثر بقاع الكرة الأرضية امتلاءً بالجليد الذي يشير العلماء إلى أن معظمه في حالة حركة مستمرة تؤدي إلى هبوط طبقاته بفعل الجاذبية إلى مستويات أعمق في قلب المياه. بيد أن الكيفية التي تحرك بها الجليد في القارة القطبية الجنوبية ظلّت لغزاً محيراً بالنسبة للعلماء. وفي الولايات المتحدة، استطاع العلماء رسم خريطة للأنهار والجداول والتيارات الجليدية الغزيرة في تلك المنطقة توضح التحرك المستمر للقارة القطبية الجنوبية.

وتكمن الأهمية القصوى لهذه الصور، التي تم التوصل إليها بمساعدة الأقمار الاصطناعية، في أن انزلاق الأساس الصخري في المحيط القطبي الجنوبي وذوبانه من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع منسوب المياه في البحار والأنهار على امتداد العالم.

وتقول مجلة (فوكس) البريطانية في تقرير لها إن تفسير تحركات الجليد سوف يساعدنا على التنبؤ بمقدار الهبوط المتوقع للجليد داخل المياه. ويوضح البروفيسور إريك ريغنوت، أستاذ علوم الأرض في جامعة كاليفورنيا الأميركية وهو باحث أول في وكالة الفضاء (ناسا): (لهذه الخريطة فوائد جمّة. فسوف تكون بمثابة مرجع لنماذج صفائح الجليد، كما أنها ستساعدنا على توفير تقديرات لعملية تفريغ إحجام الجليد في المحيط بدقة أفضل). وقد تم رسم هذه الخريطة، التي مولتها وكالة (ناسا)، من خلال مليارات القياسات الرادارية التي تم التقاطها عبر أقمار اصطناعية كندية ويابانية وأوروبية.

غير أن هذه العملية انطوت على تحديات عديدة، أهمها كيفية التخلص من الغطاء السحابي والوهج الشمسي والتضاريس الأرضية التي كانت تغطي الكتل الجليدية.

وتبين من تحليل تلك الخريطة وجود فارق كبير بين الجداول الجليدية الأسرع حركة التي يمكن أن تتحرك بمقدار بضعة كيلو مترات في السنة، وبين الكتل الجليدية الأكثر ضخامة والتي تزحف بمقدار بضعة سنتيمترات فقط.

وأشارت (فوكس) في تقريرها إلى أن أهم الغرائب التي كشفتها هذه الخرائط تتمثل في طريقة حركة كثير من هذه الكتل الجليدية. فقد ظلّ العلماء يعتقدون أن ثقل الصفائح الجليدية هو السبب في حركتها، حيث يدفع بها إلى التفتت والانطلاق بعيداً.

وتم من خلال الدراسة التعرف على حركة مختلفة للجليد والتي يتم فيها انزلاق أساس الجليد على امتداد الأرض، حاملاً معه الكتلة الجليدية الموجودة فوقه.

ومثل هذا الانزلاق أكثر شيوعاً بالقرب من المناطق الساحلية، حيث أدت درجة الحرارة الأكثر دفئاً إلى ذوبان قاعدة الجليد واختلاطها في المياه الزلقة أو الرواسب الرطبة.

أما في الأعماق، التي تشكل الداخل البارد للقطب الجنوبي، فقد كان من المفترض بشكل عام أن التجمد متواصل حتى قاع المياه. يقول البروفيسور ريغنوت: (ما وجدناه في خرائطنا يثبت أن هذا الأمر ليس صحيحاً في كل الأماكن. فقد اكتشفنا أن الجليد ينزلق فوق قاعدته على مسافة أبعد عن الساحل، بخلاف ما كنا نعتقد).

ويعتبر هذا الاكتشاف مهماً بالنسبة للباحثين الذين يحاولون فك لغز كيفية تأثير حركة القطب الجنوبي على مناسيب مياه البحر. يقول دكتور توماس واغنر، الباحث في (ناسا): (تعتبر هذه المعلومة غاية في الأهمية. فهي تعني أننا إذا فقدنا الجليد على السواحل نتيجة تسخّن المحيط، فإننا بذلك نفتح المجال لانطلاق الجليد الموجود تحت سطح المياه).