اشتهر المخرج الدانماركي لارس فون تراير بأعماله المثيرة للجدل بقدر ما اشتهر أيضاً بتصريحاته الغريبة للصحافة، كتلك التي فاجأ بها العالم أخيراً، ليعلن تعاطفه مع الزعيم النازي أدولف هتلر. وهو أيضاً صريح في الإشارة إلى أنه يعاني من أعراض الاكتئاب الحادّ، وهو ما أكده في أكثر من مقابلة أجريت معه منذ العام 2006. ومنذ ذلك الحين، أخرج فون تراير فيلمين شهيرين يجسدان معاناته، وهما "المسيح الدجال" 2009 و"كآبة" فيلمه الجديد. وتقول صحيفة "جابان تايمز" اليابانية، في تقرير حديث لها، ان كلا الفيلمين يختبران حدود الإخراج السينمائي لدى هذا المخرج، وقدرة الجمهور على التشبث بالعقل.
الكوكب الشرير
التقارير التي وردت بشأن الفيلم تفيد بأن منتجين نصحوا تراير بإنتاج الفيلم بتقنية ثلاثية الأبعاد، لكنه رفض ذلك. غير أن النقاد يرون أن إنتاج مشاهد الفيلم بأبعاد إضافية كان من شأنه أن يشوّه الحواس دون إمكانية علاجها. ويرى نقّاد أن فيلم "كآبة" يمزج بين الجانب شديد الخصوصية في تجربة الاكتئاب الحاد التي تعرض لها فون تراير وبين المفهوم السائد حول نهاية العالم. أو بمعنى آخر، يعتبر الفيلم بمثابة تشبيه الاكتئاب الكوكب الشرير الضخم، المتمثل في الكآبة، والذي يظهر فجأة في نظامنا الشمسي ويهدد بالارتطام بكوكب الأرض، وهما الفكرتان اللتان تمثلان الجانب الخيالي من الفيلم والعنصر المميز له.
من هذا المنطلق، يفتتح فون تراير القسم الأول من الفيلم بمشهد الاصطدام، حيث لا يضيع المخرج الفرصة في التأكيد لنا على أن كوكبنا، من وجهة نظره، سوف تتمزق أوصاله مثل كائن وقع في مصيدة آلة تعذيب من العصور الوسطى. يلجأ "فون تراير" في هذا المشهد إلى استخدام مؤثرات بصرية أكثر تأثيراً من تلك التي استخدمها في فيلمه "2001: أوديسا الفضاء". وللمشاهد أن يتخيل مدى الجحيم الداخلي الذي يعيشه فون تراير، في الوقت الذي تتخذ أحداث الفيلم منعطفاً خطيراً باتجاه الدمار الكامل. نتعرف في البداية على شخصية الفتاة جاستين وتجسدها الممثلة كريستين دانست، التي تعاني من اكتئاب حاد وتشعر بالقلق إزاء ممارسة حياتها بشكل طبيعي، باستثناء دفعات متقطعة، وهي تعلن خطبتها إلى مايكل (الذي يجسد دوره الممثل أليكساندر سكارسغارد).
البانهيار الآخر
فيما تجد أختها كلير المتشبثة بالحياة، من الصعوبة بمكان فراقها. ينتهي هذا الجزء من الفيلم بانهيار العلاقات الاجتماعية بين الشخصيات تقريباً، ممهداً للانهيار الآخر والفعلي للكون. تتحول جوستين إلى شخصية متكاملة وجاهزة للرحيل الأخير، وفي انتظار قدوم كوكب "ميلانخوليا" للاصطدام بالأرض على الرغم من تطمينات جون، وهو زوج أختها، بأن الكوكب تجاوز الأرض. لكن جوستين ترى في الكوكب الآخر مفتاحاً لسعادتها، فتستسلم له تماماً.
