خلال العقد الأخير من القرن العشرين أضيفت إلى أدوات وساحات الصراع حرب الإنترنت التي تشكل في نظر البعض امتداداً للحرب الإلكترونية التي تطورت واتسعت مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وخاصة خلال فترة ما سمي الحرب الباردة. ومع بداية القرن الحادي والعشرين أصبحت الشبكة أساسية في غالب الاتصالات والتعاملات وأجهزة التحكم، وبالإضافة إلى أنها شكلت وسيلة تجسس للبعض، كما تحولت إلى أداة للحرب بمختلف صورها.

انتقلت العديد من وسائل السيطرة والتحكم الخاصة بمعظم العمليات الحيوية الموجودة على الأرض إلى الفضاء في صورة أقمار صناعية ومحطات فضائية، كما انتقل أيضاً قطاع واسع من الحروب والمعارك والحوارات والثورات إلى العالم الافتراضي الذي خلقه الإنسان منذ اختراعه للكمبيوتر والذاكرات الإلكترونية وشبكات المعلومات، فأنشأ داخله جغرافية افتراضية جديدة.

وفي صيف سنة 2011 كشف جوليان أسانغ، مؤسس موقع "ويكيليكس" في حوار تلفزيوني، أن أجهزة الاستخبارات الأميركية يمكنها الحصول على معلومات عن أي مستخدم لمواقع الإنترنت الكبيرة في أي وقت تريده. كما وضعت وكالة البحوث الدفاعية المتطورة ومركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في الولايات المتحدة الأميركية ضمن مؤسسات أخرى جزءاً مهماً من أسس الحروب عبر الشبكة العنكبوتية. وهكذا باتت الحرب الإلكترونية الشكل الرائج والأكثر فعالية في حروب القرن الحادي والعشرين. وما كتب عن "أسلحة البنتاغون" أكد الصراع الحاد بين أميركا والصين وغيرهما في عالم تكنولوجيا الاتصالات والسيبرنيتيك.

قيادة مركزية

مع نهاية سنة 2011 وإدراك البيت الأبيض أنه مهدد بفقدان التفوق، بادر الرئيس باراك أوباما إلى تشكيل قيادة مركزية موحدة للحرب الإلكترونية إلى جانب القيادات العسكرية الأخرى، بعد إعلانه أن الأسلحة التي تستخدم في هذه الحرب هي أسلحة الدمار الشامل الحقيقية.

وتقول مصادر رصد أوروبية إنه بين وزارة الدفاع والأمن الداخلي، ستنفق الولايات المتحدة أكثر من 10 مليارات دولار على الأمن الإلكتروني بحلول عام 2015. ومن المفترض، أن يتكون فريق الحرب الإلكترونية من 10 آلاف موظف، ووفقاً لشركة "نورثروب كينت شنايدر"، ستصل قيمة سوق الأسلحة الإلكترونية والأمنية إلى مئة مليار دولار.

التهديد المتزايد إلكترونياً دفع عمالقة صناعة الأسلحة الأميركيين مثل "لوكهيد مارتن" و"رايثون" و"نورثروب غرومان" و"بوينغ" إلى التحرك بكثافة في سوق أنظمة الحماية الإلكترونية. وهكذا مثلاً في سنة 2010 استحوذت شركة "بوينغ" لصناعة الطائرات على شركتي "ناروس" الإسرائيلية المنشأ و"آرغون أس تي" للحلول التقنية المتقدمة لمراقبة البرمجيات الإلكترونية مقابل 2400 مليون دولار.

 

حرب الأشباح

كتب الخبير الروسي "ليونيد سافين" في الصحيفة الإلكترونية "ستوليتيه" مقالاً تحت عنوان "حرب الأشباح" جاء فيه: أولت أميركا أواخر 2011 اهتماماً خاصاً بالفضاء الإلكتروني. فأعدت تقارير للكونغرس حول السياسة الإلكترونية لوزارة الدفاع والإدارة القومية لمكافحة التجسس. وتضمنت تلك التقارير مخططاً للتعاون مع الشركاء الأجانب، وتوجهات سياسة واشنطن في هذا المجال للمستقبل المنظور.

على المستوى العالمي، تنظر الولايات المتحدة إلى الفضاء الإلكتروني كحيز يجب أن تعمم فيه معايير ومقاييس سياسية وأيديولوجية مختلفة حسب مفهومها.

وفي ربيع العام 2010 تم إنشاء مؤسسة تابعة للبنتاغون، هي القيادة الإلكترونية. وفي عام 2011 أعلن أن وزارة الدفاع شرعت بالتحكم بالشبكات الاجتماعية من أجل تحسين الصورة، وللتأثير على الدول الأخرى.

أما مديرة وكالة الدفاع الأميركية للتقنيات الواعدة "ريغينا دوغان" فقد أعلنت أن جهوداً إضافية ستبذل لإنشاء سلاح إلكتروني هجومي يشكل عنصراً جوهرياً في الآلة العسكرية. مع ضرورة معرفة الإمكانات الإلكترونية للدول الأخرى بهدف التحصن ضدها، وهذا يعني أن الولايات المتحدة نفسها تمارس التجسس الإلكتروني.

ويقول خبير في الشؤون العسكرية والتكنولوجية بأحد مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية: إن درجة الاهتمام بموضوع الحرب على الشبكة العنكبوتية قد تزايد بشكل ملحوظ وعلى مستوى أكثر عمقاً وشمولًا في عامي 2008 و2009، وانعكس ذلك على إعداد ما ينشر عنه من ورش عمل ومؤتمرات. ولم يقتصر ذلك على الجانب العسكري فحسب، بل اتسع ليشمل المؤسسات الاقتصادية والمجتمع المدني، والأخير كما هو واضح للعيان قد تمكن في كثير من الدول من جعل هذا العالم الافتراضي مسرحاً له، وميداناً لحروبه الأيديولوجية والسياسية، من دون أن يكون للعاملين على هذا المسرح مقر حقيقي ملموس، حيث يكفيهم أن يديروا معاركهم على ساحة العالم الافتراضي الممتد بلا حدود، وعلى مشهد من العالم كله، وذلك تطور خطير يحتاج إلى إعادة نظر في كثير من الأفكار القديمة.

وأضاف التقرير ان العديد من الدول بدأت تعد العدة للتصدي لهذه الهجمات ولشن أخرى مضادة عبر الإنترنت. وصرح جريغ داي أحد المحللين الأمنيين التابعين للفرع الأوروبي من مكفي بالقول: "هناك على الأقل خمسة بلدان من المعروف أنها تسلح نفسها استعداداً لهذا الصنف من الصراعات". هذه البلدان هي بريطانيا وفرنسا وألمانيا والصين وكوريا الشمالية. مشيراً إلى أن واشنطن استخدمت أساليب قرصنة إلكترونية أثناء حملتها في العراق، وهي الأساليب نفسها التي تنتهجها من أجل إحكام رقابتها الأمنية على الصعيد القومي.

 

تضخيم أم حقيقة؟

ينقسم الباحثون حالياً بين "مبالغ" لخطر الحرب الإلكترونية استناداً إلى مؤشرات "حاسمة" بحصولها، فيما يبدو أن معظمها برأيه قادم من "المارد الأصفر"، وبين "مستخف" بها على قاعدة أن أميركا تلجأ إلى تضخيم الخطر خدمة لمصالحها الخاصة. إن سنن الكون تؤكد شيخوخة الدول ثم تقلصها أو اندثارها، وأميركا ليست استثناءً؛ فحتمية التاريخ تقول إن الإمبراطوريات في نشأتها تشبه نشأة الإنسان، يمر بمراحل متعددة تنتهي به الحياة إلى الفناء.