رغم أن السينما العالمية باتت تركز في الآونة الأخيرة على توظيف الشخصية الفاسدة أخلاقياً، التي تصغي في آخر الفيلم إلى نداء الضمير، وتقرر فعل الصواب، فإن الشهر الجاري شهد انطلاق فيلمين مختلفين تماماً، يخلطان الافتراضات بما يكفي لإبقاء المتفرج مشدوداً حتى النهاية، ويعكسان الظروف المعقدة التي نعيش فيها من خلال إظهار أنه حتى فعل الصواب من الممكن أن ينطوي على أضرار جانبية. وسلطت صحيفة "جابان تايمز" اليابانية، في تقرير نشرته أخيراً، الضوء على الفيلمين، وأحدهما يحمل عنوان "الصياد"، للمخرج الأسترالي دانييل نتهايم، والآخر يحمل عنوان "الشعر"، للمخرج الكوري لي شانغ دونغ.
سمات ملفتة
ويتميز فيلم "الصياد" بعدد من السمات التي تجعله يستحق المتابعة، إذ تم تصويره في أدغال تسمانيا الجامحة، وهو مقتبس عن رواية "الحسناء النائمة" للروائية الأسترالية جوليا لي، ويقوم ببطولته الممثل صاحب الملامح الخشنة ويليم دافو. وتدور أحداث الفيلم حول متعهد غامض يدعى مارتن (دافو)، تكلفه إحدى شركات الأدوية باصطياد "النمر التسماني"، الذي يفترض أنه حيوان منقرض. وتتمثل مهمة مارتن في العثور على الحيوان المراوغ والقضاء عليه وإحضار عينات نسيجية من جسمه إلى مختبرات الشركة.
ويقوم مارتن باستئجار غرفة في المنطقة الجبلية البعيدة، ليكتشف فيما بعد أنه يتقاسمها مع طفلين فضوليين ووالدتهما الناشطة البيئية (فرانسيس أوكونور). ولأن الحطابين المحليين يفترضون أن مارتن ناشط بيئي آخر، فما أن يمضي في مهمته الانفرادية لتتبع النمر، حتى يتكشف أن هناك من يتتبعه هو أيضاً.
لون تقليدي
ويطغى على فيلم "الصياد" اللون التقليدي والتوتر السياسي، مما يعطيه طابعاً مختلفاً عن مجرد كونه فيلماً آخر عن رجل مسلح يسير في الغابات. وفي حين كان أداء الممثلين المساندين جيداً، لا سيما سام نيل، الذي يلعب دور رجل حذر من المنطقة قد يكون صديقاً وقد لا يكون، فقد كان اختيار نتهايم لدافو قراراً صائباً بشكل خاص. إذ أن مسيرته الفنية الطويلة والمتنوعة، التي لعب خلالها أدوار أشخاص فاسدين وآخرين صالحين، ستجعل المشاهد يتساءل عما إذا كان مارتن سيتبنى في نهاية المطاف المثالية البيئية، أو سيبقى انطوائياً ومتحفظاً ويصر على تنفيذ المهمة التي كلفته بها الشركة.
زهايمر
أما فيلم "الشعر"، فهو من بطولة النجمة الكورية يون يونغي، التي عادت بعد غياب دام 16 عاماً، لتلعب دور الجدة ميغا، التي تعاني من الزهايمر وتحاول أن تقاوم تدهور ذاكرتها من خلال حضور دروس في الشعر. وتحرص على التظاهر بالابتهاج لكي تخفي قلقها على ذاكرتها وعلى حفيدها ووك (ديفيد لي)، الذي يشاركها شقتها. ويتناول الفيلم أيضاً قصة طالبة في المدرسة التي يدرس بها ووك تقع ضحية لاغتصاب جماعي وترمي نفسها من فوق جسر.
وتشير كل الدلائل إلى أن ووك يعرف أكثر مما يقوله، ولكن المشكلة تكمن في أنه لا يقول شيئاً. فهو يخرج من غرفة نومه، ويطلب عشاءه، مع إبقاء عينيه مسمرتين على شاشة التلفاز، وتجنب الإصغاء إلى أي شيء تقوله جدته. وتصور هذه القصة المظاهر الذكورية الآسيوية الخشنة التي نادراً ما تعرض على الشاشة الفضية، ولكنها متى تعرض فإنه يسهل التعرف عليها.
لباقة سينمائية
ويحرص المخرج لي على بناء الأحداث ببطء ولباقة. فالضغوط التي تتعرض لها ميغا، سواء من عملها أو مرضها أو عائلات الأولاد الآخرين المتورطين في الجريمة، تتصاعد بلا هوادة، ولكنها مع ذلك تركز اهتمامها على عدم تمكنها من كتابة قصيدة. ومع تطور الأحداث، يتساءل المشاهد عما إذا كانت سترى المصير الذي يحدق في وجهها، وعما تستطيع فعله امرأة في مثل سنها.
