خلال بحث بسيط على موقع "اليوتيوب" توصلنا إلى كلمات أغنية اسمها "الوداع" كتبها الشاعر أحمد رامي في عام 1394، ولحنها الموسيقار رياض السنباطي وغنتها الفنانة السعودية ابتسام لطفي في ذاك الوقت وهي: "ردك الله سالما لفؤادي/ وطوى بيننا بساط البعاد"، سمعناها بهدوء، فإذا بنا نستشف سحر اللغة الفصحى وقدرتها على المرور بين خلجات الصدر وتنقيته من فلسفة الضجيج اليومي للأغنية السريعة باللغة الدارجة تحت عنوان "الجمهور عايز كده"، تدفعه مطالب تجارية وأزمة تُغيب الفصحى عن الشعر الغنائي المحكوم بالموضة الموسيقية. وهو ما يطرح إشكالات عديدة حول لغة الضاد وقابليتها في الأغاني العربية.

 

أزمة لغة

الناقد المصري محمد عبدالمطلب أثناء حديثه مع (البيان) حول موضوع اللغة العربية وغيابها عن الأغنية العربية، قال إننا نحطم اللغة العربية، فكيف نود فعليا تشكيل حضور لكلمات الشعر الفصحى ونحن غير واعين بأهميتها كممثل أساسي لهويتنا الحضارية. وأضاف "تتواصل معي حفيدتي عبر الدردشة الإلكترونية، وتسأل عن أحوالي بكتابتها لي بأحرف لاتينية، متسائلا مع نفسي خلال حديثي معها هل تستطيع أن تقرأ هذه الصغيرة الأدب أو التاريخ العربي أو تؤلف شعرا".

واعتبر عبد المطلب أن الشعر فن الذاكرة العربية، ويجب علينا أن نعزز وجوده بالموسيقى عبر اهتمام مركز وليس تجاهل معمد. وفي سياق التوجيه الإعلامي للشعر ببرامج لا تقدم البعد التطويري من حضورها وإنما تكتفي بإثارة فوضى الحديث والتقييم التجاري المشكوك في نزاهته. وصرح عبدالمطلب أنه خلال السنوات العشر القادمة، وعبر اهتمامنا باللغة العربية الفصحى وتعزيز وجودها سنرى مختلف القصائد الغنائية العربية تلعب دورا في تنمية الأفراد والذوق المجتمعي العربي عبر الشعر المغنى.

 

موضة فنية

فيما أبدى الشاعر الإماراتي طلال سالم استعداده لخوض غمار مشروع إعادة أمجاد سوق الأغنية العربية ولكن بشرط أن يشاركه فريق عمل متميز يصفه بالشجاع للانطلاق، معتبرا أن كلمة الأغاني عادةً رقيقة جداً وتخرج من القلب إلى القلب، ونستطيع جعلها حاضرة بمزيج موسيقي رائع يحمل معطيات اللهجة المحلية والفصحى معا. معتبرا أن تجربة الفنان كاظم الساهر عبر قصائد نزار قباني قولي أحبك كي تزيد وسامتي" استطاعت أن تكتسح قلوب الكثيرين، لأنها وصلت إلى الناس بفنية جميلة وعمل محترف على مستوى اللحن والأداء والكلمة.

وأضاف سالم أن مسألة الأغنية العربية اليوم تعتمد على مبدأ الموضة، وهناك من يضعها ويروج لها ويجعلها ما يجب أن يكون فعليا في ذهن المتلقي، منوها إلى أن مسألة تعزيز اللغة تبدأ بنهضة تعليمية من قبل المؤسسات الأكاديمية، مرورا بالثقافة المجتمعية العامة، وانتهاءً بأشكال الفنون المختلفة كالموسيقى والمسرح والأدب والشعر.

 

محرك جديد

"امسح دموعك"، عنوان الألبوم الأخير للمنشد الإماراتي أحمد المنصوري الذي يؤمن أن الفكر التجاري هي المحرك لنهوض قصيدة الفصحى من جديد، وعمليا فإن الإنتاج المادي وتبنينا لمشروع الشعر الغنائي، داعما أساسيا لعودته إلى الساحة الفنية"، لكن مختلف الأشخاص ينظرون إلى الأغنية كهواية وليست وظيفة أساسية، ويملكون دعما ماديا جيدا، كما اعتقد أنهم الأكثر قدرة على الفعل في إعادة حضور الفصحى عبر الموسيقى". ولفت المنصوري إلى أن الدعم اليوم يجب أن يأتي من المؤسسات الثقافية والإعلامية في قضية الاهتمام عبر البث النوعي للغة العربية الفصحى.

معتبرا أنها قضية عربية يتحملها الرواد والقائمون على الثقافة في مختلف الدول العربية. وأضاف "هناك كبار المنشدين اشتغلوا على القصيدة الشعبية أو بلهجة المحلية أو اللهجات العربية المختلفة، رغبةً منهم في الوصول والانتشار إلى أكبر قدر ممكن من الأشخاص، وهذا فعليا اتجاه إيجابي، ولكن نظل نحتاج إلى تعزيز عودة الفصحى كهوية عربية وحضارية خاصة.

تسويق

 

أكد الشاعر طلال سالم أن تسويق الأغنية اليــوم يؤسس منولوجا خارجيا في قضيــــة إحـــداث الــرواج الجماهيــري، مضيفا أن مختلف القصائد الشعبية تدخل فيها اللغة الفصحى، وقال حول ذلك: "نحن لا نستطيع أن نقول إن الكلام المحكي أو الشعبي ألغى اللغة الفصحى في الأغنية، ولكنها تحقق تكاملية استسهلها صناع الأغنية المعاصرة اليوم، ولنهوض القصيدة الفصحى نحتاج إلى ريادة أشخاص يؤمنون بوجودها بدعم مادي ومعنوي بمفهوم المشروع الثقافــي بعيـــد المـــدى.