ندوات وتظاهرات من أجل تحريض المبدعين على اعتماد نموذج «السينما الخضراء»

مهرجان برلين يفضح تعديات السينما على البيئة

صورة

الشاب الذي كان يرتدي لباس "الإعصار" ويقف، في درجة حرارة تقل عن الصفر بثمانية، أمام "قصر المهرجان" في برلين، لم يكن يقدم عرضاً ترفيهياً من تلك العروض التي بوسعك أن تترك "بقشيشا" بعد مشاهدتها. إنه في الأساس ممثل ومهني، لكنه في هذه اللحظة التي ارتضى أن يرتدي فيها زياً تنكرياً، مع مجموعة من الناشطين، أراد أن يسلط الضوء على قضية في غاية الأهمية، قد لا تخطر على بال الكثيرين من عشاق السينما، في منطقتنا على الأقل:"صناعة السينما براقة وساحرة.. لكنها قد تكون قاتلة ايضا"، يقول لوكاس، مشيراً الى ضرورة أن تراعي صناعة السينما المعايير الصديقة للبيئة، في استخدام حلول للتصوير والتحميض والتنفيذ من تلك التي يطلق عليها "اكو فراندلي".

يجمع لوكاس وأصدقاؤه توقيعات واقتراحات من زوار المهرجان، والمارة في الشوارع، لمصلحة واحدة من أكبر شركات الطاقة البديلة في أوروبا وألمانيا، وهي "انتيغا"، إحدى الشركات الراعية للمهرجان. مبادرة شدت انتباه عدد من المارة الذين اهتموا كثيراً بالسؤال ما إذا كان أعرق مهرجانات أوروبا (أي البرينالي) هو بحد ذاته مهرجان "صديق للبيئة".

الأفلام الخضراء

كيفية صناعة "الأفلام الخضراء" كانت أيضا جزءاً من اهتمامات الندوات المدرجة في برنامج المهرجان خلال الأيام الماضية، وفاجأت ندوة بعنوان "تخضير صناعة السينما" الحضور بحجم المعلومات المقدمة عن الضرر الذي تلعبه هذه الصناعة تجاه الهواء: "قمنا بدراسة في لوس انجلوس، أحد المراكز القوية لصناعة السينما في أميركا والعالم، واكتشفنا أن هذا القطاع هو المسؤول الأول عن الانبعاثات الملوثة للهواء، بالمقارنة مع أربع قطاعات أخرى قمنا بدراستها".

ويفيد التقرير الذي أعدته جامعة "لوس أنجلوس" جامعة ان صناعة الافلام السينمائية والتلفزيونية التي تؤمن وظائف لأكثر من 250 الف شخص في لوس انجلوس تشكل مصدراً رئيسياً لتلوث الجو في كبرى مدن كاليفورنيا. وقالت جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس في هذا التقرير ان الانفجارات والحوادث الاخرى المرتبطة بصناعة الافلام او البرامج التلفزيونية ساهمت في السنوات الاخيرة في انبعاث 144 الف طن من الجزيئات الملوثة في الجو.

وبذلك تتقدم صناعة السينما على قطاعات عدة مثل الفنادق وصناعات اخرى. ويقول الباحثون في جامعة "يو سي ال اي" ان وحدة تكرير النفط مصدر تلوث اكبر لكنهم لم يتمكنوا من تحديد نسبة هذا التلوث.

 وتقول الدراسة إن صناعة السينما ثالث مساهم في انبعاث غازات الدفيئة في المنطقة. وقال المصدر نفسه ان "انطباعنا العام هو أن البيئة بشكل عام لا تشكل أولية بالنسبة الى صناعة الافلام السينمائية او البرامج التلفزيونية وان هذا القطاع قادر على اتخاذ المزيد من الخطوات في هذا المضمار". ولوس انجلوس التي يغلفها ضباب ملوث بالدخان تعتبر ثاني مدن الولايات المتحدة الاكثر تلوثا بعد هيوستن (تكساس جنوب). وتقدر قيمة الاضرار التي تخلفها صناعة الافلام السينمائية والتلفزيونية على المنطقة بـ29 مليار دولار سنويا.

والمفارقة هي ان المناخ الملائم كان السبب الاساسي الذي دفع بالمنتجين للانتقال الى هوليوود، شمال غرب لوس انجلوس، في مطلع القرن العشرين.

 

مسؤولية أخلاقية

وقد حضر الندوة منتج الافلام الشهيرة "هاري بوتر" ديفيد هيمان، الذي أكد أن "صناع السينما يتحملون مسؤولية أخلاقية تجاه الأجيال المقبلة في بث الوعي المتعلق بالحفاظ على البيئة، لا من خلال التطرق الى موضوعات خضراء، بل صناعة الأفلام ذاتها بمعايير خضراء".

وفي هذا السياق، أطلق المهرجان هذا العام مبادرة بعنوان "ذا كلايمت ميديا فاكتوري" بمحصلة شراكة بين "جامعة الفيلم والتلفزيون" و"مؤسسة بوتسدام لأبحاث التغيرات المناخي"، وهي مبادرة تهدف الى تحريض صناع السينما والاعلام على استخدام حلول صديقة للبيئة في تنفيذ منتجاتهم الابداعية.

وقبل عامين، ارسل "برلين السينمائي" رسالة مؤثرة الى العالم، حين قام بعرض الفيلم التاريخي الصامت "متروبوليس" على ستارة مصنوعة من مواد معاد معالجتها فردت فوق أهم معلم في المانيا، وفي برلين، وهو بوابة براندنبورغ. اذ لمناسبة الاحتفال بالعيد الستين آنذاك للمهرجان، وعرض النسخة المرممة للفيلم الشهير الذي يعتبر من علامات السينما، تم الاستعانة بالفنانة الكورية كريستيان كين، وهي من بين المصممات اللواتي يجدن صدى كبيراً في أوساط نجمات هوليود أمثال جنيفير انستون وجوليا روبرتس ونيكول كيدمان.. وقامت بتصميم ستارة من مواد معادة معالجتها من نيجاتيف افلام واسطوانات و"بوسترات" وغيرها.

" اين ستنشر الصورة؟" تقول الفتاة التي ارتدت زي طاحونة الهواء، في اشارة الى حلول الطاقة البديلة. "في كبرى صحف دبي!"، تتلقى الاجابة بدهشة، لتعلو وجهها ابتسامة:" أعرف أن لديكم مهرجان سينما هناك، هل يستخدم حلول الطاقة البديلة مثل الطاقة الشمسية والمياه المعالجة في وقت المهرجان؟ هل يهتم ايضا بدعم رسالة الأفلام الخضراء؟". تسأل، فيما أظن أن درجة الصقيع المسيطرة لا تواتي فعلا تذكر كل هذه التفاصيل، التي تحتاج فعلا الى.. استقصاء!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات